في ذكرى نصر أكتوبر.. مصر التي انتصرت بالإرادة تبني اليوم معركة جديدة من أجل صحة الإنسان

بقلم: المهندس عبدالله غانم

تحل علينا ذكرى انتصارات السادس من أكتوبر المجيدة كل عام لتعيد إلى وجدان المصريين واحدة من أعظم صفحات تاريخهم الحديث؛ يوم أثبتت مصر أن الشعوب التي تمتلك الإرادة وتثق في قدراتها تستطيع أن تتجاوز أصعب التحديات وتصنع ما كان يراه الآخرون مستحيلًا.

وبهذه المناسبة الوطنية العزيزة، أتقدم بخالص التهنئة إلى الشعب المصري العظيم، والقيادة السياسية، والقوات المسلحة المصرية، داعيًا الله أن يحفظ مصر وشعبها، وأن تظل ذكرى أكتوبر مصدرًا للفخر والإلهام للأجيال القادمة.

إن قيمة نصر أكتوبر لا تتوقف عند كونه انتصارًا عسكريًا عظيمًا، وإنما تمتد إلى ما رسخه من ثقافة وطنية تقوم على التخطيط والعلم والانضباط والعمل الجماعي والثقة في قدرة الدولة المصرية على مواجهة التحديات. وهي القيم ذاتها التي تحتاج إليها الدول في معارك التنمية وبناء الإنسان.

من معركة استرداد الأرض إلى معركة بناء الإنسان

وبعد أكثر من نصف قرن على النصر، تخوض مصر معارك أخرى لا تقل أهمية في تأثيرها على مستقبل المجتمع، وفي مقدمتها معركة الحفاظ على صحة المواطن وبناء نظام صحي قادر على الوقاية والاكتشاف المبكر وتقديم الرعاية المناسبة.

ومن يعمل في القطاع الصحي يدرك حجم التحولات التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، سواء في تطوير المنشآت الصحية، أو التوسع في الخدمات التشخيصية والعلاجية، أو تحديث منظومة التأمين الصحي الشامل، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالتحول الرقمي ورفع كفاءة الخدمات الطبية.

لكن أحد أهم التحولات في تقديري هو الانتقال التدريجي من مفهوم التعامل مع المرض بعد حدوثه إلى مفهوم أكثر شمولًا يقوم على الوقاية والكشف المبكر ونشر الوعي الصحي.

فالاستثمار الحقيقي في الصحة لا يبدأ داخل غرفة العمليات أو المستشفى فقط، وإنما يبدأ قبل المرض؛ من معلومة صحيحة تصل إلى المواطن، وفحص دوري يجريه في موعده، وتحليل يكشف عوامل الخطورة مبكرًا، وثقافة مجتمعية تجعل الوقاية جزءًا من أسلوب الحياة.

المبادرات الرئاسية.. الصحة تصل إلى المواطن

وقد مثّلت المبادرات الرئاسية في مجال الصحة العامة إحدى أبرز أدوات هذا التحول، لأنها نقلت العديد من الخدمات والفحوص من انتظار المواطن داخل المؤسسة الطبية إلى الوصول إليه في المحافظات والمدن والقرى.

ومنذ إطلاق مبادرة «100 مليون صحة» وما تبعها من مبادرات وبرامج للكشف المبكر عن الأمراض غير السارية، ودعم صحة المرأة، والكشف المبكر عن الأورام، والعناية بصحة الأم والجنين، وفحص وعلاج الأمراض المزمنة والاعتلال الكلوي، وغيرها من برامج الصحة العامة، أصبح الكشف المبكر حاضرًا بصورة أكبر في وعي ملايين الأسر المصرية.

ولا تكمن أهمية هذه المبادرات في عدد الفحوص والخدمات التي تقدمها فحسب، بل في تغيير الثقافة الصحية نفسها. فالمواطن الذي يتعلم أهمية قياس ضغط الدم والسكر، أو إجراء الفحوص الدورية، أو الكشف المبكر عن الأورام، يصبح أكثر قدرة على حماية صحته واتخاذ القرار الطبي في الوقت المناسب.

وهنا تتحول الصحة من مسؤولية الطبيب وحده إلى مسؤولية مجتمعية مشتركة تبدأ بالفرد والأسرة وتمتد إلى المؤسسات الصحية والإعلام والمدرسة والجامعة والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

التشخيص المبكر قد يغير رحلة المرض بالكامل

وبحكم عملنا في مجال الأشعة والتحاليل الطبية، فإننا نرى يوميًا القيمة الحقيقية للتشخيص المبكر. فكثير من الأمراض قد تبدأ دون أعراض واضحة، بينما يستطيع تحليل بسيط أو فحص بالأشعة في التوقيت المناسب أن يكشف تغيرات مبكرة قبل تطور الحالة.

ولهذا فإن تطوير خدمات الأشعة والتحاليل ليس جانبًا مكملًا للمنظومة الصحية، بل يمثل أحد أعمدتها الأساسية. فكلما أصبحت خدمات التشخيص أكثر دقة وسرعة وإتاحة للمواطن، تحسنت قدرة الطبيب على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.

والتكنولوجيا الطبية التي يشهدها العالم اليوم تضع أمامنا فرصًا كبيرة، من أجهزة التصوير المتطورة إلى نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي ودعم القرار الطبي. والتحدي الحقيقي هو أن تتحول هذه التكنولوجيا إلى خدمة آمنة وموثوقة تصل إلى المواطن بجودة مرتفعة، وألا تصبح التكنولوجيا غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحسين صحة الإنسان.

الطب الوقائي استثمار في مستقبل مصر

إن الإنفاق على الوقاية والكشف المبكر ليس تكلفة إضافية، وإنما استثمار طويل الأجل. فاكتشاف المرض في مراحله الأولى يمكن أن يقلل المضاعفات، ويحسن فرص العلاج، ويخفف العبء عن المستشفيات والأسر، ويحافظ على قدرة الإنسان على العمل والإنتاج.

ومن هنا تأتي أهمية استمرار برامج التوعية الصحية، خصوصًا مع تزايد عبء الأمراض المزمنة المرتبطة بأنماط الحياة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسمنة وبعض أنواع السرطان.

ونحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى ترسيخ ثقافة جديدة تقول للمواطن: لا تنتظر الألم حتى تطمئن على صحتك. الفحص الدوري ليس رفاهية، والكشف المبكر ليس مرتبطًا بالمرض، والتحليل والأشعة عندما يُجريان وفق الاحتياج الطبي وفي التوقيت الصحيح قد يكونان بداية الحماية وليس بداية العلاج.

القطاع الخاص شريك في المسؤولية

ولا يمكن لأي منظومة صحية أن تحقق أهدافها بالاعتماد على طرف واحد. فالدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات العلمية والإعلامية شركاء في بناء منظومة أكثر كفاءة.

وعلى القطاع الطبي الخاص مسؤولية تتجاوز تقديم الخدمة إلى الالتزام بمعايير الجودة، والاستثمار في التكنولوجيا وتدريب العنصر البشري، والمشاركة في نشر الوعي الصحي، ووضع سلامة المريض ودقة التشخيص في مقدمة الأولويات.

إن المنافسة الحقيقية في القطاع الصحي يجب ألا تكون فقط في امتلاك أحدث الأجهزة، وإنما في جودة الخدمة وثقة المريض ودقة النتائج واحترام الإنسان.

أكتوبر.. إرادة لا تتوقف عند ذكرى

وفي ذكرى السادس من أكتوبر، تبقى الرسالة الأهم أن مصر التي استطاعت بإرادة أبنائها أن تحقق نصرًا عسكريًا سيظل خالدًا في التاريخ، تستطيع بالإرادة نفسها أن تحقق انتصارات جديدة في التنمية والصحة والتعليم وبناء الإنسان.

لقد كان نصر أكتوبر انتصارًا لاسترداد الأرض والكرامة، أما معركة اليوم فهي معركة من أجل حياة أفضل للإنسان المصري؛ يكون فيها أكثر وعيًا بصحته، ويحصل على التشخيص في الوقت المناسب، وتصل إليه خدمات الوقاية والعلاج بجودة تليق به.

وفي هذه المناسبة الغالية، أجدد التهنئة إلى الشعب المصري والقيادة السياسية وقواتنا المسلحة، وأتمنى أن تظل مصر دائمًا قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وأن يكون الاستثمار في صحة المصريين أحد أهم انتصارات الجمهورية في سنواتها المقبلة.

حفظ الله مصر وشعبها، وكل عام ومصر بخير وأمن وسلام.

بقلم: المهندس عبدالله غانم

رئيس مجلس إدارة شركة الشروق للأشعة والتحاليل الطبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top