لم يكن مشهد الهروب الجماعي من مصحة غير مرخصة لعلاج الإدمان في المريوطية مجرد واقعة عابرة، بل لحظة كاشفة لانهيار إنساني يحدث خلف أبواب مغلقة باسم “العلاج”. نزلاء يخرجون جريًا في الشارع، بعضهم حفاة، يصرخون بأن المكان ليس مصحة بل سجن، بلا طعام كافٍ، بلا علاج، وبلا رحمة. الفيديو الذي انتشر خلال ساعات وضع المجتمع أمام سؤال صادم: كم من “الجحيم” يُدار في الخفاء تحت لافتة علاج الإدمان؟
اقرأ ايضاً: الصحة تُغلق مصحة غير مرخصة بالمريوطية وتحيل القائمين عليها للنيابة: لا تهاون مع استغلال مرضى الإدمان
وزارة الصحة تحركت فورًا، وأغلقت المنشأة، وأحالت القائمين عليها للنيابة العامة بعد ثبوت أنها غير مرخصة وتنتحل صفة منشأة طبية، في مخالفة مباشرة لقانون المنشآت الطبية وقانون الصحة النفسية. لكن الواقعة لم تكن استثناءً، بل جزءًا من نمط متكرر.
خلال عام 2025 فقط، أعلنت وزارة الصحة إغلاق أكثر من 112 منشأة غير مرخصة في النصف الأول من العام بمحافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية والإسماعيلية والفيوم، ثم 25 مركزًا مخالفًا في يوليو بمناطق البدرشين والشيخ زايد وبدر والشروق، تلاها 15 مركزًا آخر في أكتوبر بالجيزة وحدها. أرقام لا تعكس نجاح الرقابة فقط، بل تكشف حجم السوق غير الشرعي الذي يتكاثر أسرع مما يُغلق.

“ربطوني في السرير” – شهادة فتاة خرجت من المصحة هاربة
“دخلت بإرادتي… خرجت بجسمي بس”، هكذا تحكي (م.ج)، فتاة في منتصف العشرينات، دخلت مصحة خاصة بناءً على قرار أسرتها. تقول كان القرار هو التخلص مني ومن مشاكلي ودخلت مصحة ومن اليوم الاول وجدت ،لا طبيب، لا خطة علاج، فقط أوامر وعقاب. ولما كنت بحتاج للمخدربشدة كان بيتم ربطي في السرير لساعات طويلة، بلا طعام، ولا مياه إلا نادرًا، تحت مسمى “تهدئة”.
تقول إنها لم تُعالج من الإدمان، لكنها خرجت بخوف مزمن، ونوبات هلع، وكره لفكرة العلاج نفسها. “كنت محتاجة دكتور… مش سجّان”.
ابني تعاطي انواع جديدة داخل المصحة
أم شاب ثلاثيني تروي أنها باعت مصاغها لتدخل ابنها مصحة “نظيفة وسمعتها كويسة”. دفعت عشرة آلاف جنيه في الشهر الأول، ثم فوجئت بطلبات إضافية، وتهديد مبطن: “لو خرج دلوقتي حالته هتسوء”. تقول إنها لاحظت تغيرات مقلقة؛ وزن ابنها ينخفض، صوته يرتجف، وعيناه زائغتان. بعد خروجه، اكتشفت أنه تعرّف داخل المصحة على أنواع جديدة من المخدرات لم يكن يعرفها قبل الدخول.
“دخلته عشان يتعالج… خرج وهو يعرف أكتر”.
من المصحات الخاصة إلى الدولة: رحلة متعافي
شاب آخر يحكي رحلة مختلفة. بعد لفّ طويلة على مصحات خاصة بأسعار متفاوتة، من “الشعبي” إلى “الفاخر”، اكتشف أن العلاج الحقيقي لم يجده إلا داخل مركز تابع للدولة. يقول إن الفارق لم يكن في المباني، بل في المعاملة: طبيب، خطة علاج، متابعة نفسية، وكرامة إنسانية، ولكنه للاسف لا تكفي للجميع.
“أول مرة حسّيت إني مريض مش مجرم”.
الإدمان يتوسع… والمخدرات تتغير
الخطر لا يتوقف عند سوء إدارة العلاج، بل يتفاقم مع الانتشار السريع للمخدرات التخليقية، الأرخص سعرًا، الأسرع تأثيرًا، والأكثر تدميرًا للصحة النفسية. هذه المواد وسّعت دائرة الإدمان لتشمل فئات عمرية أصغر، وضاعفت أعداد المحتاجين للعلاج في وقت لا تزال فيه المراكز المجانية غير كافية لاستيعاب الطلب.
هنا يظهر التناقض الأكبر: احتياج يتضخم، مقابل منظومة علاج تعاني من نقص شديد للعلاج النفسي وعلاج الادمان فما زالت أقل من حجم الأزمة، وسوق خاص يستغل الفجوة بلا ضوابط إنسانية أو طبية.

بين الدولة والسوق… من يحمي المريض؟
وزارة الصحة تؤكد توافر علاج الإدمان مجانًا وبسرية تامة عبر مستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، وتوفر خطًا ساخنًا للدعم والاستشارة. لكن الواقع يفرض سؤالًا أصعب: هل عدد هذه المراكز كافٍ؟ وهل يعرف المواطن طريقه إليها قبل أن يقع في فخ المصحات غير المرخصة؟
الإدمان لا يُواجه بالغلق وحده، بل بتوسيع مظلة العلاج، وزيادة الطاقة الاستيعابية، ودمج التأهيل النفسي والاجتماعي، وتشديد الرقابة على السوق الخاص، والأهم: كسر الوصمة التي تجعل الأسرة تتصرف في الخفاء، فتقع ضحية.
الإدمان قضية دولة… لا عبء أسرة
أخطر ما في هذا الملف أن المجتمع لا يزال يتعامل مع الإدمان كفضيحة عائلية، لا كمرض عام. هذا التفكير يدفع الأسر إلى حلول سريعة، سرية، وغير آمنة. بينما الحقيقة الطبية واضحة: المدمن مريض، وعلاجه حق، وحمايته مسؤولية دولة.
ما جرى في المريوطية ليس مجرد مصحة أُغلقت، بل إنذار. إنذار بأن ترك علاج الإدمان بين نقص مراكز التعافي الحكومية وفوضى السوق الخاصة يصنع مآسي جديدة كل يوم. الهروب لم يكن من العلاج، بل من التعذيب.
الخلاصة: بوابة مصر الصحية
إذا كانت الدولة قد أغلقت مئات المصحات المخالفة في عام واحد، فهذا يعني أن آلاف المرضى مرّوا بتجارب غير آمنة قبل الإغلاق، ومئات فى الشوارع يحتاجون للعلاج
وإذا كانت المخدرات تتطور أسرع من العلاج، فالمواجهة يجب أن تكون شاملة، لا أمنية فقط.
الإدمان ليس جريمة، وعلاج الإدمان ليس سجنًا.
وأي نظام صحي لا يحمي أضعف مرضاه… يحتاج أن يُعاد بناؤه.



