انسحاب أمريكا من منظمة الصحة العالمية يهدد ملايين الأرواح: هل تُترك الدول الفقيرة وحدها أمام موجة أوبئة جديدة؟

انسحاب أمريكا من منظمة الصحة العالمية يهدد ملايين الأرواح: هل تُترك الدول الفقيرة وحدها أمام موجة أوبئة جديدة؟

بعد انسحاب الولايات المتحدة… نظام الصحة العالمية في مهب الريح ومخاوف من عودة أوبئة تفتك بالدول الفقيرة

إعداد: حنين عبدالوهاب

لم يكن قرار الولايات المتحدة بوقف دعمها الكامل لمنظمة الصحة العالمية مجرد خطوة إدارية أو خلاف سياسي عابر، بل لحظة فارقة في تاريخ الصحة العالمية، تحمل تداعيات عميقة على الدول الفقيرة والهشة صحيًا، وتعيد إلى الأذهان سيناريوهات سوداء عاشها العالم مع الإيدز وكوفيد-19 والإيبولا. ففي عالم مترابط، لا تعرف فيه الأمراض حدودًا ولا تعترف بجوازات السفر، يبدو التخلي عن دعم المنظومة الصحية الدولية أشبه بفتح ثغرة واسعة في جدار الأمان العالمي، قد تتسلل منها أوبئة جديدة قادرة على شلّ العالم مرة أخرى.

اقرأ ايضًا: عندما يُعاد رسم أولويات العالم… فمن يدفع الثمن؟ تراجع تمويل الصحة العالمية يهدد الدول الفقيرة… والأوبئة تستعد للعودة

اقرأ ايضًا: الصحة العالمية: “الصحة ليست امتيازًا… بل ضرورة يومية وحق لكل إنسان”

انسحاب أم إضعاف ممنهج؟

رغم الجدل الدائر حول توصيف القرار الأمريكي، فإن الواقع يشير إلى أن ما حدث يتجاوز مجرد “تقليص تمويل”، ليصل فعليًا إلى انسحاب يترك فجوة ضخمة في ميزانية منظمة الصحة العالمية. الولايات المتحدة كانت لسنوات أكبر ممول منفرد للمنظمة، سواء عبر المساهمات الإلزامية أو التمويل الطوعي الموجه لبرامج مكافحة الإيدز والسل والملاريا، ودعم أنظمة الترصد الوبائي في الدول منخفضة الدخل.

هذا الانسحاب يضع المنظمة أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على استمرارية برامج منقذة للحياة، وفي الوقت نفسه مواجهة أزمات صحية عالمية متزايدة في ظل موارد أقل.

بعد انسحاب الولايات المتحدة… نظام الصحة العالمية في مهب الريح ومخاوف من عودة أوبئة تفتك بالدول الفقيرة

الدول الفقيرة… الحلقة الأضعف دائمًا

تاريخيًا، كانت الدول الفقيرة أول من يدفع ثمن تراجع الدعم الصحي الدولي. ففي العقدين الماضيين، أدى ضعف التمويل في بعض الفترات إلى تباطؤ برامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، ما تسبب في زيادة أعداد المصابين بالعوز المناعي في إفريقيا جنوب الصحراء، وعودة بؤر نشطة للسل المقاوم للأدوية، وارتفاع معدلات وفيات الملاريا بين الأطفال.

اليوم، ومع تراجع الدعم المتوقع، تخشى منظمات دولية من تكرار السيناريو ذاته على نطاق أوسع، خاصة في دول تعاني بالفعل من هشاشة نظمها الصحية، ونقص الأدوية، وضعف سلاسل الإمداد، وغياب القدرة على التصدي السريع للأوبئة.

من الإيدز إلى الأوبئة الجديدة

الأمر لا يقتصر على الأمراض التقليدية. فالعالم يشهد تصاعدًا مقلقًا في الأمراض الناشئة، والأوبئة الحيوانية المنشأ، ومتحورات الفيروسات التنفسية. وتشير تقارير دولية إلى أن ضعف برامج الرصد المبكر والاستجابة السريعة خلال السنوات الماضية ساهم في تأخر اكتشاف بعض التفشيات، ما سمح لها بالانتشار قبل السيطرة عليها.

ومع تقليص التمويل، تصبح برامج الإنذار المبكر، والتقصي الوبائي، والتطعيمات الوقائية في مهب الريح، وهو ما يفتح الباب أمام أوبئة قد تبدأ في قرية فقيرة، لكنها لا تلبث أن تعبر القارات خلال أيام.

كاليفورنيا تكسر الصمت… ولكن

في تطور لافت، أعلنت ولاية كاليفورنيا انضمامها إلى شبكة الإنذار والتأهب العالمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية، في محاولة للحفاظ على قنوات التعاون العلمي والوبائي بعد خروج الحكومة الفيدرالية الأمريكية. هذه الخطوة، رغم أهميتها، تظل استثناءً لا يعوض غياب دولة بحجم الولايات المتحدة عن المنظومة الدولية.

فالولايات أو الكيانات المحلية، مهما بلغت قدراتها، لا تستطيع سد الفجوة التمويلية والسياسية التي يتركها انسحاب قوة عظمى عن مؤسسة أممية تُعد خط الدفاع الأول ضد الأوبئة.

تخلي الكبار… ومَن يدفع الثمن؟

يثير القرار الأمريكي تساؤلات أخلاقية وسياسية حول دور الدول الكبرى في حماية الصحة العالمية. فالتخلي عن منظمة الصحة العالمية في لحظة يشهد فيها العالم تصاعدًا في الفقر والنزاعات والهجرة القسرية، يعني عمليًا تحميل الدول الأضعف عبء مواجهة أزمات تفوق قدراتها.

الرسالة التي يقرأها كثيرون في الجنوب العالمي واضحة: حين تشتد الأزمات، تُقدَّم الحسابات السياسية والاقتصادية على حساب الأرواح.

الأوبئة لا تعرف الحدود

أخطر ما في هذا المشهد أن تداعياته لن تتوقف عند حدود الدول الفقيرة. فالتاريخ أثبت أن وباءً واحدًا غير مُحتوى قادر على إغلاق المطارات، وتعطيل الاقتصاد العالمي، وشلّ الأنظمة الصحية حتى في أغنى الدول. كوفيد-19 لم يكن سوى مثال صارخ على أن إهمال أي حلقة في السلسلة الصحية العالمية قد يؤدي إلى انهيارها بالكامل.

سؤال مفتوح أمام العالم

في ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم: هل يتعلم العالم من دروسه القاسية، أم يكرر أخطاء الماضي؟ وهل تتحمل الدول الكبرى مسؤوليتها في دعم نظام صحي عالمي عادل، أم تترك الدول الفقيرة وحدها في مواجهة أوبئة قد تعود لتطرق أبواب الجميع؟

من فلسفة الإنقاذ العالمي إلى لحظة الانسحاب… ماذا يعني تراجع الدعم اليوم؟

عندما أُنشئت منظمة الصحة العالمية عام 1948، كان الهدف منها واضحًا وصريحًا: منع تكرار الكوارث الصحية العابرة للحدود التي حصدت ملايين الأرواح في النصف الأول من القرن العشرين. الفكرة الجوهرية لم تكن إنقاذ دولة بعينها، بل حماية العالم بأسره عبر بناء منظومة إنذار واستجابة جماعية، يكون فيها دعم الدول الغنية للدول الأضعف جزءًا من منظومة الأمن العالمي، لا عملًا خيريًا.

على مدار عقود، أثبتت الأرقام أن هذا النموذج نجح. فبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، ساهمت برامجها في:

خفض وفيات الملاريا عالميًا بأكثر من 60% منذ عام 2000، وإنقاذ ما يُقدَّر بنحو 11 مليون حياة

تقليل الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية بنسبة تقارب 40% خلال عقدين، خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء

توفير تطعيمات أساسية لأكثر من 4.4 مليار طفل حول العالم، ما منع نحو 154 مليون وفاة بين عامي 1974 و2024

القضاء الكامل على الجدري، وهو إنجاز صحي يُعد من أعظم النجاحات في تاريخ البشرية

هذه النتائج لم تكن لتتحقق لولا التمويل الدولي المستقر، الذي كانت الولايات المتحدة تمثل فيه تاريخيًا الممول الأكبر، إذ ساهمت بما يقرب من 15 إلى 18% من ميزانية منظمة الصحة العالمية السنوية، أي ما يعادل مئات الملايين من الدولارات التي تُوجَّه مباشرة لبرامج الطوارئ، والأوبئة، والتطعيمات، ودعم النظم الصحية الهشة.

لكن مع تراجع الدعم الأمريكي، سواء في صورة انسحاب كامل أو تقليص جذري للتمويل، بدأت المنظمة نفسها تُقر بأن بعض برامجها باتت مهددة. تقارير دولية حديثة أشارت إلى أن ضعف التمويل خلال السنوات الماضية انعكس بالفعل على قدرة المنظمة على الاستجابة السريعة، خاصة في مناطق النزاعات والدول منخفضة الدخل، حيث ارتفعت معدلات الإصابة بمرض السل المقاوم للأدوية، وزادت حالات الملاريا في بعض دول أفريقيا بعد سنوات من التراجع.

وفي هذا السياق، تحذر منظمات صحية مستقلة من أن أي تقليص إضافي في الدعم قد يؤدي إلى:

تعطّل برامج الوقاية من الإيدز التي يعتمد عليها أكثر من 30 مليون شخص حول العالم

تراجع قدرات رصد الأوبئة في دول لا تمتلك نظم إنذار وطنية

زيادة وفيات الأطفال بسبب نقص اللقاحات الأساسية

تأخر اكتشاف أوبئة جديدة قد تتحول إلى جائحات عالمية

وهو ما يعيد إلى الأذهان درسًا قاسيًا من جائحة كورونا، حين أثبت الواقع أن الفيروس لا يسأل عن قوة الدولة ولا عن حجم اقتصادها، وأن انهيار منظومة صحية في دولة فقيرة قد يشلّ حركة العالم بأسره خلال أسابيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top