بين حماية المرضى من “بيزنس العلاج” وسد الفجوة العلاجية.. خبراء يدعون إلى التوسع في المصحات المرخصة منخفضة التكلفة
خلال الأشهر الأخيرة، كثفت وزارة الصحة والسكان حملاتها لإغلاق ما يعرف بـ”مصحات علاج الإدمان” غير المرخصة، في إطار جهود حماية المرضى من الممارسات غير الطبية وغير القانونية داخل بعض المنشآت التي كانت تعمل خارج مظلة الرقابة الصحية.
وشهدت عدة محافظات إغلاق عشرات المراكز والكيانات التي كانت تقدم خدمات علاج الإدمان دون تراخيص أو إشراف طبي معتمد، بعد رصد مخالفات تتعلق بمزاولة النشاط دون ترخيص، وعدم توافر الاشتراطات الطبية، ووجود ممارسات قد تشكل خطرًا على حياة المرضى.
ورغم أهمية هذه الحملات في حماية المرضى وأسرهم، فإنها أعادت طرح سؤال بالغ الأهمية: هل تمتلك مصر عددًا كافيًا من المؤسسات العلاجية المرخصة القادرة على استيعاب الزيادة المستمرة في أعداد مرضى الإدمان؟
اقرأ يضًا: أخطر من الهيروين بـ50 مرة وربما أكثر.. كيف غزت المخدرات التخليقية الجديدة أوروبا وأمريكا؟
منازل وشقق تحولت إلى “مصحات”
على مدار السنوات الماضية، انتشرت مئات الكيانات التي تطلق على نفسها “مصحات علاج إدمان”، بعضها يعمل داخل شقق سكنية أو فيلات أو منشآت غير مجهزة طبيًا، مستغلة حاجة الأسر إلى مكان يمكنه استقبال أبنائهم المدمنين بسرعة وبتكلفة أقل من المصحات الخاصة الكبرى.
وتقول أسر كثيرة إن الهدف الأساسي لم يكن البحث عن خدمات فندقية أو برامج علاجية متقدمة، بل العثور على مكان آمن يمكنه احتواء الابن أو المريض الذي تسبب إدمانه في مشكلات أسرية واجتماعية واقتصادية متكررة.
لكن شهادات عدد من المتعافين كشفت عن واقع أكثر تعقيدًا، حيث أكد بعضهم أنهم تعرضوا داخل هذه المراكز إلى ممارسات غير علمية، أو تعرفوا على أنواع جديدة من المواد المخدرة وأساليب التعاطي، وأن بعضهم خرج من تلك المؤسسات وهو أكثر ارتباطًا بعالم الإدمان مما كان عليه قبل الدخول.

فجوة بين الاحتياج والقدرة الاستيعابية
ويرى متخصصون في الطب النفسي وعلاج الإدمان أن حملات إغلاق المصحات غير المرخصة، رغم ضرورتها، كشفت عن وجود فجوة بين أعداد المرضى المحتاجين للعلاج والقدرة الاستيعابية للمؤسسات الرسمية أو المرخصة.
فالمؤسسات الحكومية التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، إلى جانب المراكز التابعة لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، تقدم خدمات علاجية مجانية أو منخفضة التكلفة، لكنها تواجه تحديًا يتمثل في زيادة الطلب على العلاج، خاصة في بعض المحافظات البعيدة عن المراكز الكبرى.
وفي المقابل، تقدم بعض المصحات الخاصة المرخصة خدمات علاجية متقدمة، إلا أن تكلفتها قد تتجاوز قدرة شريحة كبيرة من الأسر، خصوصًا في ظل ارتفاع معدلات الفقر والضغوط الاقتصادية.
الإدمان مرض.. لكن المجتمع لا يزال يراه وصمة
ولا تقتصر الأزمة على نقص الأماكن العلاجية فقط، بل تمتد إلى النظرة المجتمعية للإدمان.
ففي كثير من الحالات، لا تنظر بعض الأسر إلى الإدمان باعتباره مرضًا يحتاج إلى علاج وتأهيل طويل المدى، بل تعتبره مصدرًا للمشكلات الأسرية والاجتماعية و”وصمة” يجب التخلص منها بأسرع طريقة ممكنة.
ويدفع هذا التصور بعض الأسر إلى البحث عن أي مكان يمكنه استقبال المريض فورًا، دون التحقق من التراخيص أو مستوى الخدمة أو وجود إشراف طبي متخصص.
ماذا يحدث بعد إغلاق المصحة؟
ويثير إغلاق المصحات غير المرخصة تحديًا آخر، يتمثل في مصير المرضى الموجودين داخلها.
ففي بعض الحالات، يتم إخراج المرضى وإعادتهم إلى أسرهم، بينما لا تتوافر دائمًا أماكن بديلة بشكل فوري داخل المؤسسات الحكومية أو المرخصة، ما قد يؤدي إلى انقطاع العلاج أو الانتكاس، خاصة إذا لم تتوافر المتابعة الطبية والنفسية المناسبة.
ويرى متخصصون أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب وجود آليات انتقال آمنة ومدروسة، تضمن استمرار تقديم الرعاية العلاجية وعدم ترك المرضى دون دعم.
هل تحتاج مصر إلى نموذج جديد للعلاج؟
ويطرح خبراء الصحة النفسية وعلاج الإدمان رؤية تقوم على التوسع في إنشاء مصحات خاصة مرخصة ومتوسطة التكلفة، تعمل تحت إشراف وزارة الصحة، وتلتزم بمعايير علمية وطبية واضحة، بما يسمح بتوفير بدائل علاجية آمنة وميسورة التكلفة.
كما يدعون إلى:
* زيادة عدد مراكز علاج الإدمان الحكومية.
* التوسع الجغرافي في الخدمات العلاجية بالمحافظات.
* تشجيع الاستثمار المنظم في مجال علاج الإدمان.
* وضع تسعير عادل للخدمات العلاجية.
* تعزيز الرقابة المستمرة على المنشآت العلاجية.
* تكثيف حملات التوعية المجتمعية للتأكيد على أن الإدمان مرض قابل للعلاج وليس وصمة اجتماعية.
معركة العلاج لا تقل أهمية عن معركة المكافحة
ويرى الخبراء أن نجاح أي استراتيجية وطنية لمواجهة المخدرات لا يعتمد فقط على ضبط المواد المخدرة أو إغلاق الكيانات المخالفة، بل يتطلب أيضًا بناء شبكة علاجية متكاملة تستطيع استيعاب المرضى وتقديم خدمات علاجية وتأهيلية آمنة وفعالة.
فكل مصحة غير مرخصة يتم إغلاقها تمثل انتصارًا لحماية المرضى، لكن الانتصار الأكبر يظل في ضمان وجود بديل علاجي آمن، معتمد، ومتاح لكل من يقرر أن يبدأ رحلة التعافي.



