“بهدوء” ..الإدمان مسئولية مجتمعية

لم يعد الإدمان اليوم مشكلة فرد، أو أزمة أسرة، أو حتى قضية أمنية وصحية منفصلة. نحن نواجه، بكل وضوح، واحدة من أخطر الظواهر المجتمعية التي تهدد مستقبل الأجيال، وتفرض على الجميع الوقفة نفسها، بالقدر نفسه من المسؤولية والوعي.

العالم كله يتحدث الآن عن أخطر موجة مخدرات في التاريخ الحديث. لم تعد المخدرات هي الحشيش أو الهيروين فقط، بل ظهرت أجيال جديدة من المخدرات التخليقية، أشد فتكًا، وأسرع إدمانًا، وأقل تكلفة، وأكثر انتشارًا. وأصبح استهداف الشباب والمراهقين جزءًا من استراتيجية عالمية لعصابات تدر مليارات الدولارات سنويًا من تجارة الموت.

وفي مصر، لا يمكننا أن نتعامل مع الإدمان باعتباره مشكلة تخص المدمن وحده، أو أسرته وحدها. فالإدمان اليوم ينعكس على المجتمع كله؛ في حوادث الطرق، وفي بعض الجرائم العنيفة، وفي السرقات، وفي التفكك الأسري، وفي ضياع مستقبل شباب كان يمكن أن يكون قوة حقيقية لبناء الوطن.

المؤلم أن بعض الأسر ما زالت تنظر إلى الإدمان باعتباره “وصمة” يجب إخفاؤها، لا مرضًا يجب علاجه. فبدلًا من البحث عن العلاج، يصبح الهم الأكبر هو ألا يعرف الآخرون أن الابن أو الابنة يعانيان من الإدمان. وكأننا في سباق لإثبات من ربى أبناءه بصورة أفضل، لا في معركة لإنقاذ أبنائنا من كارثة حقيقية قد تنتهي بفقدانهم بالكامل.

الإدمان ليس عارًا. العار الحقيقي أن نترك المريض دون علاج، أو أن نخفيه بعيدًا عن المجتمع خوفًا من كلام الناس، بينما يحتاج إلى يد تمتد إليه، وطبيب يعالجه، وأسرة تحتضنه، ومجتمع يمنحه فرصة جديدة للحياة.

ولذلك، فإن مواجهة الإدمان لا يمكن أن تكون مسؤولية الدولة وحدها، مهما كانت جهودها كبيرة ومخلصة. نعم، الدولة تتحرك بقوة في مجالات المكافحة والعلاج والتوعية، لكن حجم الظاهرة وتطورها يفرض علينا جميعًا مسؤولية مشتركة.

الأسرة عليها دور محوري في التربية والاحتواء والحوار والملاحظة المبكرة. والمدرسة مطالبة ببناء الوعي منذ الطفولة. والجامعات والنوادي الرياضية والثقافية مطالبة بخلق بيئة جاذبة للشباب. والمؤسسات الدينية عليها مسؤولية ترسيخ القيم والأخلاق، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول المرض والإدمان. كما أن المجتمع المدني والإعلام مطالبان بخوض معركة الوعي بنفس القوة التي تخوض بها الدولة معركة المكافحة.

نحن بحاجة إلى حملة قومية مجتمعية شاملة، لا تقتصر على التحذير من المخدرات، بل تزرع الأمل، وتفتح أبواب العلاج، وتدعم الأسر، وتعيد تعريف الإدمان باعتباره مرضًا يحتاج إلى علاج، لا وصمة تستحق الإخفاء.

كما أننا بحاجة إلى الاستثمار الحقيقي في شبابنا؛ بالرياضة، والثقافة، والتعليم، وبناء الشخصية، وتعزيز القيم، وخلق مساحات آمنة للحوار والتعبير، لأن الفراغ واليأس والعزلة أصبحت من أخطر بوابات الإدمان.

إن إنقاذ أبنائنا من المخدرات ليس مسؤولية وزارة أو مؤسسة أو أسرة بعينها، بل مسؤولية مجتمع بأكمله. وإذا كنا نريد أن نحمي مستقبلنا، فعلينا أن ندرك أن معركة الإدمان ليست معركة ضد المدمن، بل معركة من أجل الإنسان.

وبهدوء نقول: الإدمان ليس قضية فرد… الإدمان قضية مجتمع.

بهدوء، رجاء ناجي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top