علاج الإدمان في مصر خارج الإطار الطبي: حين تحوّل غياب الدولة المرض إلي سجن

علاج الإدمان في مصر خارج الإطار الطبي: حين تحوّل غياب الدولة المرض إلي سجن

تحقيق يكشف بالأرقام كيف أدى نقص المصحات الحكومية وارتفاع التكلفة إلى انتشار مراكز غير مرخصة تحوّل العلاج إلى احتجاز

لم تبدأ القصة بحادث هروب، ولن تنتهي بإغلاق مصحة.

لكن حين كسر مرضى أبواب إحدى مصحات علاج الإدمان بالبدرشين وفرّوا إلى الشارع، واصفين المكان الذي قضوا فيه شهورًا بأنه «سجن»، لم يكن المشهد مجرد واقعة أمنية، بل لحظة انكشاف لما ظلّ مخفيًا لسنوات: علاج الإدمان في مصر، خارج الإطار الطبي.

بعدها بأسابيع، أعلنت وزارة الصحة إغلاق 18 مركزًا غير مرخص لعلاج الإدمان والطب النفسي في القاهرة والقليوبية والشرقية. صور التفتيش أظهرت غرفًا مكتظة، فرشًا على الأرض، غيابًا لأي معايير إنسانية، وأشخاصًا يديرون العلاج بلا صفة طبية.

لكن الإغلاق لم يُنهِ الأزمة… بل أزاح الستار عن حجمها الحقيقي.

اقرأ ايضاً: من «الاستروكس» إلى «الشابو»… كيف خطفت المخدرات التخليقية عقول الشباب؟

 طلب ضخم… ونظام لا يكفي

وفق أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وصل عدد متعاطي المخدرات عالميًا إلى 316 مليون شخص في عام 2023، أي نحو 6% من سكان العالم البالغين، بزيادة تقارب 22% خلال عقد واحد.

العالم لا يشهد فقط زيادة في التعاطي، بل تحولًا نوعيًا في طبيعة المواد، مع صعود المخدرات التخليقية ذات التأثيرات الأعنف وغير المتوقعة.

في مصر، تشير تقديرات رسمية ودراسات وطنية إلى أن نحو 5–6% من السكان يعانون من اضطرابات تعاطي مواد مخدرة، مع نسب أعلى بين الشباب، وبداية تعاطٍ مبكرة في بعض الحالات.

وفي عام واحد فقط، تلقى الخط الساخن لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان عشرات الآلاف من طلبات المساعدة، ودخل آلاف المرضى برامج علاج رسمية.

الأرقام هنا لا تقول إن “الإدمان انتشر فجأة”، بل تقول إن الطلب على العلاج أكبر بكثير من القدرة المتاحة.

 أين تذهب آلاف الحالات؟

رغم الجهود الرسمية، يظل عدد المصحات الحكومية المتخصصة في علاج الإدمان والطب النفسي محدودًا مقارنة بحجم الطلب.

الانتظار قد يطول، والطاقة الاستيعابية لا تغطي الاحتياج، بينما تتحمل الأسر العبء الأكبر نفسيًا وماديًا.

في المقابل، توجد مصحات خاصة مرخصة تقدم خدمات علاجية متقدمة، لكن تكلفتها الشهرية في كثير من الحالات تتجاوز قدرة الطبقة المتوسطة، لتخرج شريحة واسعة من دائرة العلاج الآمن.

هنا تتشكل الفجوة الأخطر:

         •      طلب مرتفع على العلاج

         •      عرض رسمي ومرخص غير كافٍ

         •      وصمة اجتماعية تضغط على الأسر

  • سوق سوداء لعلاج الإدمان

تجارة المرض: مصحات بلا أطباء… وأسر تدفع الثمن

داخل هذه الفجوة، نشأت كيانات تتاجر بالألم.

مصحات غير مرخصة، يديرها غير متخصصين، ترفع لافتات «علاج الإدمان» بينما تقدم في الحقيقة:

         •      احتجازًا قسريًا

         •      منع زيارة وتواصل

         •      تكدسًا غير إنساني

         •      غيابًا تامًا لأي بروتوكول طبي

أسر كثيرة تعرف أن المكان “غير مريح”، لكنها تدفع ما بين 8 إلى 10 آلاف جنيه شهريًا مقابل شيء واحد:

إبعاد المشكلة عن البيت.

في هذه اللحظة، لا يُنظر للمريض كمريض، بل كـ«أزمة يجب إخفاؤها»، ويتحول العلاج إلى حبس مقنّع، يديره أشخاص بلا تدريب طبي، في ملف صحي بالغ الخطورة.

المخدرات تغيّرت… والخطر تضاعف

السنوات الأخيرة شهدت توسعًا كبيرًا في المخدرات التخليقية:

         •      مواد تُصنّع محليًا بخلطات كيميائية غير ثابتة

         •      أسماء تتغير باستمرار

         •      تأثيرات نفسية وعصبية غير متوقعة

         •      أعراض انسحاب أعنف وأسرع

الأطباء أنفسهم يحذّرون:

هذه المواد لا يمكن التعامل معها بالعزل أو القوة أو الاجتهاد، بل تحتاج إشرافًا طبيًا دقيقًا، وقد تتحول أي محاولة غير مدروسة إلى خطر مباشر على حياة المريض.

لكن في المصحات غير المرخصة، لا يوجد طبيب، ولا تجهيزات، ولا خطة طوارئ… فقط باب مغلق.

حين يأتي الإغلاق… إلى أين يذهب المرضى؟

قرارات الإغلاق الأخيرة كشفت مفارقة قاسية.

نعم، الإغلاق ضروري لحماية المرضى.

لكن السؤال الذي تجاهلته البيانات الرسمية: إلى أين يذهب هؤلاء المرضى بعد الإغلاق؟

بعضهم خرج إلى الشارع.

بعضهم عاد إلى أسر غير قادرة على التعامل معه.

وبعضهم انتكس فورًا.

الإغلاق أزاح الستار، لكنه ترك الفراغ كما هو.

علاج الإدمان والطب النفسي: الملف الغائب

تكشف هذه الأزمة حقيقة أعمق:

أن الصحة النفسية وعلاج الإدمان لا يزالان في الهامش مقارنة بملفات صحية أخرى، رغم ارتباطهما المباشر بـ:

         •      العنف الأسري

         •      الجريمة

         •      التسرب من التعليم

         •      الفقر

         •      فقدان الإنتاجية

ترك الأسر تحارب وحدها، دون شبكة كافية من العلاج والدعم، لم يُلغِ المشكلة… بل خلق سوقًا موازية تتاجر بها في الخفاء لسنوات.

خلاصة: بوابة مصر الصحية

ما كشفته حوادث الهروب وحملات الإغلاق ليس وجود مصحات مخالفة فقط، بل فجوة هيكلية في علاج الإدمان في مصر.

         •      أعداد كبيرة تطلب العلاج

         •      مخدرات أشد خطرًا

         •      طاقة علاجية رسمية غير كافية

         •      تكلفة خاصة مرتفعة

         •      وصمة تدفع الأسر للسرية

= كيانات تتاجر بالطب والمرض

الإدمان مرض…

وأي مجتمع لا يوفّر علاجًا كافيًا وآمنًا له، سيترك فراغًا يملؤه الاستغلال.

التحقيق لا ينتهي هنا، بل يبدأ بسؤال واحد يجب أن يُطرح بوضوح:

هل نريد علاج الإدمان… أم فقط إخفاء المدمنين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top