فاتورة المرض: كيف يحوّل الإنفاق على العلاج ملايين الأسر إلى فقراء؟

فاتورة المرض: كيف يحوّل الإنفاق على العلاج ملايين الأسر إلى فقراء؟

إعداد: رجاء ناجي

في لحظة واحدة قد ينقلب ميزان الحياة داخل أي بيت. تشخيص طبي مفاجئ، عملية جراحية طارئة، أو علاج طويل المدى، كفيل بأن يحوّل أسرة مستقرة إلى أخرى تقف على حافة الفقر. لم يعد المرض مجرد أزمة صحية، بل أصبح حكمًا اقتصاديًا قاسيًا، تُسدَّد فواتيره من جيوب المواطنين مباشرة، في غياب أنظمة حماية مالية قادرة على الصمود.

هذه ليست حكايات فردية، بل ظاهرة عالمية متنامية، تحذّر منها المنظمات الدولية باعتبارها أحد أخطر التهديدات للصحة العامة والاستقرار الاجتماعي في القرن الحادي والعشرين.

حين يصبح المرض أسرع طريق إلى الفقر

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن أكثر من ثلث سكان العالم لا يحصلون على خدمات صحية أساسية، بينما يواجه نحو 28% من البشر ضائقة مالية مباشرة بسبب الإنفاق على العلاج. الأخطر أن المرض لا يسرق الدخل فقط، بل يدفع الأسر إلى تقليص إنفاقها على الغذاء والتعليم والسكن من أجل سداد تكاليف الرعاية الصحية.

في إقليم شرق المتوسط، الصورة أكثر قتامة. تشير بيانات المنظمة إلى أن 22% من السكان يضطرون لخفض إنفاقهم على الاحتياجات الأساسية لتغطية نفقات العلاج، وهي نسبة ترتفع بشكل أكبر في الدول المتأثرة بالنزاعات والأزمات الاقتصادية، حيث تتآكل النظم الصحية وتضعف شبكات الأمان الاجتماعي.

الإنفاق من الجيوب… القاتل الصامت

الإنفاق الصحي من الجيوب الخاصة يُعد المؤشر الأخطر على هشاشة أي نظام صحي. فعندما يدفع المواطن ثمن العلاج مباشرة دون حماية تأمينية، يصبح المرض مدخلًا للإفلاس. توضح تقارير منظمة الصحة العالمية أن ملايين الأسر سنويًا تنزلق تحت خط الفقر بسبب نفقات علاجية غير متوقعة، في ظاهرة تُعرف عالميًا باسم “الفقر الصحي”.

وتشير المنظمة إلى أن النظم الصحية التي تعتمد بشكل كبير على الدفع المباشر تفشل في حماية الفئات الأكثر ضعفًا، وتخلق تفاوتًا حادًا في فرص الحصول على العلاج بين الأغنياء والفقراء، وهو ما ينعكس في ارتفاع معدلات الوفيات والأمراض المزمنة غير المعالجة.

أرقام تكشف عمق الأزمة عالميًا

رغم تحسّن مؤشر التغطية بالخدمات الصحية في إقليم شرق المتوسط من 57 عام 2021 إلى 63 عام 2023، إلا أنه لا يزال أقل من المتوسط العالمي البالغ 71. هذا التحسن النسبي لا يخفي حقيقة أن الطريق نحو التغطية الصحية الشاملة لا يزال طويلًا، خاصة في ظل أزمات اقتصادية متلاحقة، وتراجع الإنفاق الحكومي على الصحة في العديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

وتؤكد المنظمة أن الصراعات والكوارث الطبيعية تُضاعف من الأزمة، حيث تتعطل الخدمات الأساسية، وتُستنزف الموارد المحدودة، وتُترك الفئات الأضعف بلا حماية حقيقية.

مصر بين تدخل الدولة وواقع الإنفاق

في مصر، تتجلى معادلة الإنفاق الصحي بوضوح. لسنوات طويلة، عانت المستشفيات الحكومية من ضغط هائل ونقص في الموارد، ما دفع ملايين المواطنين للاعتماد على القطاع الخاص وتحمل تكاليف علاج مرتفعة نسبيًا. هذا الواقع ساهم في تفاقم أزمة الإنفاق من الجيوب، خاصة في حالات الأمراض المزمنة والجراحات الكبرى.

ومع تفاقم أزمة قوائم الانتظار في الجراحات الحرجة، جاء التدخل الرئاسي ليشكل نقطة تحول فارقة، حيث جرى تخصيص موارد غير مسبوقة لإنهاء قوائم الانتظار، وإنقاذ آلاف المرضى من مصير كان قد يكون مميتًا أو مُفقرًا. هذا التدخل كشف بوضوح أن غياب التمويل الكافي لا يعني فقط تدهور الخدمة، بل يعني أيضًا تعريض الأسر لانهيار اقتصادي كامل.

التأمين الصحي الشامل: خطوة إنقاذ… لكنها غير مكتملة

يمثل مشروع التأمين الصحي الشامل أحد أهم محاولات الدولة المصرية لكسر دائرة الفقر الصحي. المشروع، الذي تتحمل فيه الدولة النصيب الأكبر من تكاليف الرعاية الصحية، يهدف إلى توفير خدمات متكاملة دون تحميل المواطنين أعباء مالية كارثية.

وقد أظهرت بيانات هيئة الرعاية الصحية أن المنظومة نجحت خلال ست سنوات في تقديم أكثر من 105 ملايين خدمة طبية وعلاجية بمحافظات المرحلة الأولى، وتغطية نحو 6 ملايين منتفع، مع اعتماد أكثر من 91% من المنشآت الصحية وفق معايير جودة دولية. إلا أن التحدي الأكبر لا يزال في التوسع الجغرافي، حيث لم تشمل المنظومة بعد جميع محافظات الجمهورية، ما يترك فجوات حماية مالية واضحة في بعض المناطق.

لماذا تفشل النظم الصحية في حماية الفقراء؟

ترى منظمة الصحة العالمية أن ضعف التمويل الحكومي للصحة، والاعتماد المفرط على الإنفاق الفردي، وغياب شبكات حماية اجتماعية قوية، تمثل الأسباب الرئيسية لفشل النظم الصحية في حماية المواطنين من الإفلاس بسبب المرض. وتؤكد المنظمة أن كل دولار لا يُنفق على الوقاية والتغطية الصحية الشاملة، يتحول لاحقًا إلى أضعافه تكلفةً في العلاج والخسائر الاقتصادية.

الصحة كاستثمار لا كعبء

التحول الجوهري الذي تدعو إليه المؤسسات الدولية يتمثل في النظر إلى الصحة باعتبارها استثمارًا في رأس المال البشري، لا عبئًا على الموازنات العامة. فالدول التي نجحت في تقليل الإنفاق من الجيوب، هي تلك التي رفعت مخصصات الصحة، وعززت الرعاية الصحية الأولية، وربطت التغطية الصحية بالعدالة الاجتماعية.

الخلاصة: المرض لا يجب أن يكون حكمًا بالإفلاس

في يوم التغطية الصحية الشاملة، تعود الحقيقة القاسية إلى الواجهة: المرض لا ينبغي أن يدفع الأسر إلى الفقر، ولا يجب أن يكون العلاج امتيازًا لمن يستطيع الدفع. التجربة العالمية تؤكد أن الحماية المالية ليست ترفًا، بل ضرورة إنسانية واقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top