من الفحص إلى العلاج.. كيف غيرت المبادرات الصحية مفهوم الاكتشاف المبكر في مصر؟

20.3 مليون مواطن استفادوا من مبادرة الأورام.. واكتشاف 1139 إصابة بسرطانات الرئة والقولون والبروستاتا وعنق الرحم

لم تعد مواجهة السرطان في مصر تبدأ بالضرورة داخل عيادة الطبيب، بعد ظهور عرض مقلق أو وصول المرض إلى مرحلة متقدمة.

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الدولة في نقل المواجهة إلى مساحة مختلفة تمامًا: الوصول إلى المواطن قبل أن يصل المرض إليه.

وهذه هي الفكرة التي تقف خلف مبادرات الكشف المبكر، وفي مقدمتها مبادرة رئيس الجمهورية للكشف المبكر عن الأورام السرطانية، التي أطلقت في يونيو 2023 ضمن مبادرات «100 مليون صحة»، لتقدم خدماتها مجانًا للكشف عن أربعة أنواع من الأورام: الرئة، والقولون، والبروستاتا، وعنق الرحم.

وبحسب أحدث بيانات وزارة الصحة والسكان، استفاد من خدمات المبادرة أكثر من 20 مليونًا و370 ألف مواطن، من عمر 18 عامًا فأكثر منذ إطلاقها وحتى الآن.

لكن الرقم الأهم ربما لا يكمن فقط في عدد من وصلوا إلى الخدمة، وإنما فيما حدث بعد ذلك.

فالمبادرة أسفرت عن اكتشاف 132 حالة سرطان رئة، و746 حالة سرطان قولون، و259 حالة سرطان بروستاتا، وحالتين بسرطان عنق الرحم، بإجمالي 1139 حالة إصابة مكتشفة. كما تمت إحالة عشرات الآلاف إلى عيادات الإقلاع عن التدخين، باعتبار التدخين أحد عوامل الخطورة المهمة المرتبطة بالسرطان.

20.3 مليون مستفيد.. الرقم الذي يعيد تعريف «الكشف المبكر»

قد يبدو رقم 20.3 مليون مواطن ضخمًا في حد ذاته، لكنه يصبح أكثر أهمية عند النظر إلى الطريقة التي تعمل بها المبادرة.

فالمواطن لا يبدأ بالضرورة برحلة طويلة من التحاليل والأشعة.

الخطوة الأولى هي استبيان إلكتروني يستهدف التعرف على عوامل الخطورة والأعراض، ثم تحديد ما إذا كان الشخص يحتاج إلى فحوصات أكثر تقدمًا.

إذا لم تظهر مؤشرات تستدعي الاشتباه، يُوجَّه المواطن إلى المتابعة الدورية.

أما إذا ظهرت عوامل خطورة أو أعراض تستدعي مزيدًا من التقييم، فتبدأ رحلة الإحالة إلى الفحوصات المتخصصة، ثم اللجان الطبية متعددة التخصصات للحالات التي تحتاج إلى تدخل تشخيصي وعلاجي.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحول في فلسفة المبادرة:

ليس الهدف أن تفحص ملايين المواطنين فقط، وإنما أن تبني مسارًا يبدأ بالوقاية وتقييم الخطر، وينتهي بالتشخيص والعلاج لمن تثبت حاجته.

وتتصدر إصابات سرطان القولون القائمة، بنحو ثلثي الحالات المكتشفة تقريبًا، يليه سرطان البروستاتا، ثم سرطان الرئة، بينما سجل سرطان عنق الرحم حالتين وفق الأرقام المعلنة من المبادرة.

لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة مهنية هادئة؛ فهي لا تمثل معدل انتشار السرطان في المجتمع المصري، ولا يمكن استخدامها وحدها للحكم على حجم الإصابة بكل نوع من أنواع السرطان، لأنها تعكس الحالات التي تم اكتشافها من خلال مسار هذه المبادرة تحديدًا.

وهنا تظهر أهمية المبادرات: أنها تخلق قناة منظمة لاكتشاف حالات ربما لم تكن قد وصلت إلى الخدمات الطبية في التوقيت نفسه.

من «العلاج بعد ظهور الأعراض» إلى «الاكتشاف قبل فوات الفرصة»

المشكلة التاريخية مع كثير من الأورام ليست غياب العلاج فقط، وإنما توقيت اكتشاف المرض.

كلما تأخر التشخيص، أصبحت الخيارات العلاجية أكثر تعقيدًا في كثير من الحالات، بينما يمنح الاكتشاف المبكر الفريق الطبي فرصة أكبر لتقييم المرض ووضع الخطة المناسبة في الوقت المناسب.

ولهذا فإن قيمة مبادرات الكشف المبكر لا تقاس فقط بعدد الأورام التي اكتشفتها، وإنما أيضًا بقدرتها على تغيير سلوك المواطن نفسه تجاه المرض.

أن يذهب الشخص إلى الوحدة الصحية وهو لا يشعر بأنه «مريض»، وأن يجيب عن أسئلة تتعلق بعوامل الخطورة، ثم يخضع للفحص إذا ظهرت مؤشرات تستدعي ذلك؛ يعني أن مفهوم الوقاية بدأ يحل تدريجيًا محل ثقافة الانتظار.

المبادرة لا تكتشف السرطان فقط.. بل تبحث عن عوامل الخطر

أحد الجوانب المهمة في المبادرة أنها لا تتعامل مع السرطان باعتباره تشخيصًا فقط.

فالمدخل الأول هو التعرف على عوامل الخطورة والأعراض، ومن بينها ما يرتبط بأنماط الحياة والتدخين.

ولهذا لم تكن إحالة عشرات الآلاف إلى عيادات الإقلاع عن التدخين رقمًا جانبيًا في نتائج المبادرة، وإنما جزءًا من فلسفة أوسع: التدخل قبل الإصابة، وليس فقط اكتشافها بعد حدوثها.

وهنا تتحول المبادرة من برنامج للكشف عن الأورام إلى أداة لنشر الوعي الصحي أيضًا.

فالمواطن الذي يدخل المنظومة بحثًا عن السرطان قد يخرج منها وهو يعرف لأول مرة أن التدخين عامل خطر، أو أن بعض الأعراض لا ينبغي تجاهلها، أو أن المتابعة الدورية يمكن أن تكون أكثر أهمية من انتظار الألم.

ماذا تغير المبادرات في المشهد الصحي المصري؟

المشهد الجديد لا يتعلق بمبادرة واحدة.

منذ إطلاق منظومة «100 مليون صحة»، أصبح للمبادرات الرئاسية حضور واضح في ملفات صحية مختلفة، من فيروس «سي» والأمراض المزمنة إلى الكشف عن الأورام.

والقيمة المشتركة بينها أنها تنقل جزءًا من المسؤولية الصحية من المستشفى إلى المجتمع.

بدل أن يكون النظام الصحي في انتظار المريض، تتحرك الخدمة للوصول إليه.

وبدل أن يبدأ التعامل مع المرض بعد ظهور الأعراض، تبدأ الرحلة من تقييم عوامل الخطورة.

وبدل أن ينتهي دور الكشف عند ظهور نتيجة إيجابية، تمتد المنظومة إلى الإحالة والتشخيص والعلاج من خلال لجان متخصصة.

هذه النقلة ربما تكون واحدة من أهم آثار المبادرات على الصحة العامة: تغيير سلوك البحث عن الرعاية الصحية نفسها.

من الفحص إلى العلاج.. كيف غيرت المبادرات الصحية مفهوم الاكتشاف المبكر في مصر؟

ولكن.. هل 20 مليون مستفيد تعني أننا وصلنا إلى كل من يحتاج؟

الإجابة بالطبع: لا.

فالرقم الضخم يعكس اتساع نطاق الوصول إلى الخدمة، لكنه لا يعني أن مشكلة الكشف المبكر عن السرطان في مصر انتهت.

لا تزال هناك تحديات تتعلق باستمرار وعي المواطنين، والوصول إلى الفئات الأقل استخدامًا للخدمات الصحية، والالتزام بالمتابعة الدورية، وسرعة استكمال الفحوصات بعد ظهور مؤشرات تستدعي ذلك.

من المبادرة إلى ثقافة صحية جديدة

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على إطلاق مبادرة الكشف المبكر عن الأورام، تبدو التجربة أكبر من مجرد أرقام يومية عن عدد المستفيدين.

20.37 مليون مواطن وصلوا إلى الخدمة، و1139 حالة إصابة تم اكتشافها وفق الأرقام المعلنة، وعشرات الآلاف تلقوا دعمًا للإقلاع عن التدخين.

لكن الإنجاز الأهم الذي يجب أن يستمر هو تحويل هذه الأرقام إلى ثقافة صحية راسخة.

ثقافة تجعل المواطن يعرف أن السرطان ليس بالضرورة مرضًا يُكتشف عندما تظهر أعراضه، وأن بعض الفحوصات وتقييم عوامل الخطورة يمكن أن يغيرا مسار المرض.

فالنجاح الحقيقي لأي مبادرة صحية لا يقاس فقط بعدد من دخلوا أبوابها، وإنما بعدد الأشخاص الذين غيّروا سلوكهم الصحي بسببها.

وفي معركة السرطان تحديدًا، قد يكون اكتشاف حالة واحدة في الوقت المناسب أهم من ملايين المنشورات عن التوعية.

لأن المبادرة الناجحة لا تنتظر المريض حتى يمرض.. بل تبحث عنه قبل أن يصبح المرض أكثر صعوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top