ليس “تطعيم سرطان عنق الرحم”.. بل لقاح يمنع 6 أنواع من السرطان

كيف أصبح لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) أحد أهم إنجازات الطب الوقائي في العالم؟

كان يُعرف لسنوات طويلة بين العامة باسم “تطعيم سرطان عنق الرحم”، لكن الحقيقة العلمية أن هذا اللقاح يحمل دورًا أكبر بكثير من مجرد الوقاية من مرض واحد. فاسمه الحقيقي هو لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV Vaccine)، وهو أحد أهم اللقاحات التي تراهن عليها منظمة الصحة العالمية للقضاء على أحد أكثر السرطانات شيوعًا بين النساء، إلى جانب الوقاية من عدة أنواع أخرى من السرطان تصيب الرجال والنساء على حد سواء.

وتعتبر منظمة الصحة العالمية (WHO) أن فيروس الورم الحليمي البشري هو السبب الرئيسي لسرطان عنق الرحم، إذ تشير التقديرات إلى أن 99% من حالات سرطان عنق الرحم ترتبط بعدوى مستمرة بالفيروس، وهو ما جعل التطعيم ضده يمثل حجر الأساس في الاستراتيجية العالمية للقضاء على هذا السرطان.

أكثر من 200 نوع.. لكن بعضها شديد الخطورة

يضم فيروس HPV أكثر من 200 نوع مختلف، إلا أن عددًا محدودًا منها يمثل الخطر الحقيقي. فالأنواع 16 و18 مسؤولة عن نحو 70% من حالات سرطان عنق الرحم عالميًا، بينما تتسبب الأنواع الأخرى في الإصابة بسرطانات الشرج والقضيب والفرج والمهبل وبعض سرطانات الفم والبلعوم، بالإضافة إلى الثآليل التناسلية.

ورغم أن معظم الإصابات ينجح الجهاز المناعي في التخلص منها تلقائيًا خلال عام أو عامين، فإن استمرار العدوى بالأنواع عالية الخطورة قد يؤدي إلى تغيرات سرطانية تستغرق سنوات قبل ظهورها، وهو ما يجعل الوقاية قبل الإصابة هي الحل الأكثر فاعلية.

اقرأ ايضًا: سرطان عنق الرحم: مرض يمكن منعه بلقاح…فلماذا مازال يقتل الأمهات؟

أرقام عالمية مقلقة

بحسب منظمة الصحة العالمية، تسبب فيروس HPV خلال عام 2019 في نحو 620 ألف حالة سرطان بين النساء و70 ألف حالة بين الرجال حول العالم.

وفي عام 2022 وحده، سجل العالم ما يقرب من 660 ألف إصابة جديدة بسرطان عنق الرحم، بينما توفيت نحو 350 ألف امرأة بسبب المرض، معظمهن في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل التي لا تتوافر فيها برامج التطعيم والكشف المبكر بشكل كافٍ.

لماذا يُعطى اللقاح للفتيات والذكور؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا أن لقاح HPV مخصص للفتيات فقط.

لكن الهيئات العلمية تؤكد أن تطعيم الذكور لا يقل أهمية، لأنه يحميهم من الثآليل التناسلية وعدد من السرطانات المرتبطة بالفيروس، كما يقلل انتقال العدوى داخل المجتمع، وهو ما يعرف بـ”مناعة القطيع”.

ولهذا توصي منظمة الصحة العالمية بإعطاء اللقاح قبل التعرض للفيروس، ويفضل في عمر 9 إلى 14 عامًا، حيث يحقق الجهاز المناعي أفضل استجابة في هذه المرحلة العمرية.

ليس “تطعيم سرطان عنق الرحم”.. بل لقاح قد يمنع 6 أنواع من السرطان

ماذا تقول الدراسات؟

الدراسات الحديثة لم تعد تتحدث فقط عن الوقاية من العدوى، بل عن الوقاية من السرطان نفسه.

ففي يونيو 2026، أظهرت دراسة واسعة نُشرت في The Lancet أن الفتيات اللاتي تلقين اللقاح في عمر 12 إلى 13 عامًا انخفض خطر الوفاة بسرطان عنق الرحم لديهن إلى مستوى يقارب الصفر قبل سن الثلاثين، وهو ما اعتبره الباحثون أحد أقوى الأدلة على نجاح اللقاح في إنقاذ الأرواح.

كما أظهرت بيانات أمريكية انخفاضًا يقارب 80% في الآفات السابقة لسرطان عنق الرحم بين الشابات منذ بدء برامج التطعيم، وهو ما يعكس التأثير الوقائي الحقيقي للقاح على أرض الواقع.

هل يغني اللقاح عن الفحص الدوري؟

الإجابة هي لا.

فاللقاح يحمي من الأنواع الأكثر خطورة من الفيروس، لكنه لا يغطي جميع الأنواع المسببة للسرطان، لذلك تؤكد منظمة الصحة العالمية ضرورة استمرار الفحص الدوري لعنق الرحم حتى بعد الحصول على التطعيم، باعتباره جزءًا من منظومة الوقاية الشاملة.

رهان عالمي للقضاء على سرطان عنق الرحم

في عام 2020 أطلقت منظمة الصحة العالمية استراتيجية عالمية تهدف إلى جعل سرطان عنق الرحم أول سرطان يمكن القضاء عليه كتهديد للصحة العامة، عبر تحقيق أهداف 90-70-90 بحلول عام 2030، والتي تشمل:

  • تطعيم 90% من الفتيات ضد فيروس HPV قبل سن 15 عامًا.
  • فحص 70% من النساء بوسائل عالية الدقة.
  • علاج 90% من الحالات المكتشفة مبكرًا.

ويؤكد الخبراء أن لقاح فيروس الورم الحليمي البشري لم يعد مجرد وسيلة للوقاية من عدوى فيروسية، بل أصبح أحد أهم أسلحة الطب الحديث للوقاية من السرطان، وهو استثمار صحي طويل الأمد يحمي ملايين الأشخاص قبل أن يبدأ المرض من الأساس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top