أدوية السرطان تتصدر سوق الدواء.. 232.5 مليار دولار في 2026 والإنفاق يتجه إلى 441 مليارًا

لم تعد أدوية السرطان مجرد واحدة من الفئات العلاجية الكبرى داخل صناعة الدواء العالمية؛ فالأرقام الحديثة تضعها في موقع متقدم بفارق واسع عن معظم المجالات العلاجية الأخرى، مدفوعة بتزايد أعداد المصابين بالسرطان، وظهور أجيال جديدة من العلاجات الموجهة والمناعية والخلوية والجينية، واتساع فترات العلاج وبقاء المرضى على العلاج لفترات أطول.

وتشير بيانات حديثة لـ Statista Market Insights إلى أن سوق أدوية الأورام يتجه لتحقيق إيرادات تقدر بنحو 232.5 مليار دولار خلال 2026، وهو أكثر من ضعف الإيرادات المقدرة لأدوية السكري، التي تقترب من 92 مليار دولار.

وتتوقع Statista استمرار الصعود ليصل حجم سوق أدوية السرطان إلى نحو 294 مليار دولار سنويًا بحلول 2030، بما يجعل الأورام تقترب من الاستحواذ على خُمس سوق الأدوية العالمي وفق منهجية تقديراتها.

252 مليار دولار في عام واحد.. و441 مليارًا في الطريق

يكشف تقرير Global Oncology Trends 2025 الصادر عن معهد IQVIA أن الإنفاق العالمي على أدوية السرطان، محسوبًا بأسعار القائمة، ارتفع بنسبة 75% خلال خمس سنوات، ليصل إلى نحو 252 مليار دولار في 2024.

وبلغ متوسط نمو الإنفاق على هذه الأدوية نحو 11.9% سنويًا بين 2020 و2024. وتتوقع IQVIA استمرار الصعود إلى نحو 441 مليار دولار بحلول 2029.

اقرأ ايضًا: انخفاض وفيات السرطان في مصر.. كيف غيّرت «100 مليون صحة» خريطة الأورام؟

لماذا تنفق البشرية كل هذه المليارات على أدوية السرطان؟

هناك أكثر من قوة تتحرك في الوقت نفسه.

أولها الزيادة المستمرة في عدد مرضى السرطان عالميًا. فقد قدرت منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان وجود نحو 20 مليون حالة سرطان جديدة و9.7 مليون وفاة في 2022، إلى جانب نحو 53.5 مليون شخص كانوا على قيد الحياة خلال خمس سنوات من تشخيصهم بالمرض.

وفي أحدث تقرير عالمي أصدرته منظمة الصحة العالمية في يوليو 2026، قدرت المنظمة العبء الحالي بنحو 20.6 مليون حالة جديدة سنويًا، مع وفاة ما يقرب من 10 ملايين شخص كل عام، أي أن السرطان يحصد أكثر من 26 ألف حياة يوميًا حول العالم.

والأكثر إثارة للقلق يتعلق بالمستقبل.

فإذا استمرت الاتجاهات الديموغرافية الحالية، تتوقع منظمة الصحة العالمية ارتفاع الحالات الجديدة إلى قرابة 35 مليون حالة سنويًا بحلول 2050، مقابل نحو 20 مليونًا في 2022.

ولا ترجع الزيادة إلى عامل واحد؛ إذ يلعب نمو السكان وارتفاع متوسط العمر دورًا أساسيًا، إلى جانب التعرض لعوامل خطورة يمكن الوقاية من جزء كبير منها، وفي مقدمتها التدخين والكحول والسمنة وبعض العوامل البيئية.

ثورة علاجية.. لكنها باهظة الثمن

السبب الثاني وراء القفزة المالية هو التغير الكبير الذي طرأ على طريقة علاج السرطان نفسه.

فالصناعة لم تعد تعتمد فقط على العلاج الكيميائي التقليدي، وإنما دخلت عصرًا جديدًا يشمل العلاجات المناعية، والعلاجات الموجهة، والأجسام المضادة المقترنة بالأدوية ADCs، والأجسام المضادة متعددة التخصص، والعلاجات الخلوية والجينية، وعلاجات CAR-T وغيرها من التقنيات المتقدمة.

ويكشف تقرير IQVIA أن 25 مادة دوائية فعالة جديدة لعلاج السرطان أطلقت عالميًا خلال 2024 وحده.

وخلال السنوات الخمس بين 2020 و2024 بلغ المتوسط 26 علاجًا جديدًا سنويًا، مقارنة بمتوسط 16 علاجًا سنويًا فقط خلال السنوات الخمس السابقة.

وبذلك وصل إجمالي المواد الفعالة الجديدة التي دخلت مجال الأورام خلال خمس سنوات إلى 132 علاجًا.

2162 تجربة سريرية للأورام بدأت في عام واحد

ولا يبدو أن موجة الابتكار في طريقها إلى التراجع.

ففي 2024 بدأ عالميًا نحو 2162 تجربة سريرية في مجال الأورام، بزيادة 12% عن مستوى 2019، كما أصبحت تجارب السرطان تمثل نحو 41% من إجمالي التجارب السريرية التي يرصدها تقرير IQVIA.

والأكثر أهمية أن العلاجات الحديثة، ومنها العلاج الخلوي والجيني والأجسام المضادة المقترنة بالأدوية والأجسام المضادة متعددة التخصص، أصبحت تشكل نحو 35% من التجارب السريرية للأورام.

وهذا يعني أن موجة الأدوية الجديدة لن تتوقف عند العلاجات الموجودة حاليًا، بل إن خطوط البحث والتطوير تحمل أجيالًا جديدة قد تغير علاج أنواع من السرطان خلال السنوات المقبلة.

نحو 100 دواء سرطان جديد

وتتوقع IQVIA أن يشهد العالم إطلاق نحو 100 دواء جديد للأورام خلال السنوات حتى 2029، وهو أحد الأسباب الرئيسية وراء توقع ارتفاع الإنفاق العالمي.

ووفق السيناريو الذي نشرته المؤسسة، يرتفع الإنفاق من 252 مليار دولار في 2024 إلى نحو 295 مليارًا في 2025، و337 مليارًا في 2026، و371 مليارًا في 2027، و409 مليارات في 2028، وصولًا إلى 441 مليار دولار في 2029.

وبذلك تضيف علاجات السرطان ما يقرب من 189 مليار دولار من الإنفاق السنوي خلال خمس سنوات فقط.

هل كل هذا الارتفاع سببه أسعار الأدوية؟

لا، فالأسعار المرتفعة لبعض العلاجات الجديدة عنصر رئيسي، لكنها ليست التفسير الوحيد.

فالإنفاق يرتفع كذلك بسبب زيادة أعداد المرضى، واتساع نطاق استخدام الأدوية الجديدة، وإضافة مؤشرات علاجية جديدة للأدوية الموجودة، وارتفاع معدلات البقاء على قيد الحياة، وهو تطور إيجابي طبيًا لكنه يعني في حالات كثيرة استمرار العلاج لفترات أطول.

ويشير أحدث تقرير لـIQVIA حول استخدام الأدوية عالميًا إلى اتجاه الكثير من الأسواق نحو علاجات أعلى تكلفة، مع بقاء الابتكار في الأورام والمناعة والسكري والسمنة من أبرز محركات نمو الإنفاق الدوائي حتى 2030.

علاج يتجاوز 100 ألف دولار

ويحتاج الحديث عن أن «علاج السرطان يتجاوز 100 ألف دولار للمريض» إلى قدر من الدقة.

فليس هناك سعر موحد لعلاج السرطان؛ إذ تختلف التكلفة بصورة هائلة بحسب نوع الورم ومرحلته، والدواء المستخدم، ومدة العلاج، والدولة ونظام التأمين الصحي، وما إذا كان السعر المقصود هو السعر المعلن أم السعر بعد الخصومات والتفاوض.

وبعض العلاجات الحديثة يمكن بالفعل أن تصل تكلفتها السنوية إلى أكثر من 100 ألف دولار للمريض، بل إن بعض العلاجات الخلوية والجينية المتقدمة تتجاوز ذلك بفارق كبير.

مفارقة كبرى.. الابتكار ينقذ الأرواح لكنه يضغط على الميزانيات

وهنا تظهر إحدى أصعب معادلات الطب الحديث.

فالطفرة في علاج الأورام أتاحت خيارات لم تكن موجودة قبل سنوات، وأصبح بعض المرضى يعيشون لفترات أطول مع المرض، بينما تحولت بعض الأورام في حالات معينة إلى أمراض يمكن السيطرة عليها لفترات ممتدة.

لكن الوجه الآخر لهذا النجاح يتمثل في التكلفة.

وتحذر IQVIA من أن علاج أعداد أكبر من المرضى، لفترات أطول، باستخدام علاجات أكثر تقدمًا، يفرض ضغوطًا متزايدة على ميزانيات أنظمة الرعاية الصحية، بينما قد تؤدي هذه التطورات في الوقت نفسه إلى توسيع فجوة الوصول إلى العلاج بين الدول الغنية والدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

وهي مشكلة تؤكدها منظمة الصحة العالمية؛ إذ أظهر مسح شمل 115 دولة وجود قصور واسع في تمويل خدمات السرطان والرعاية التلطيفية ذات الأولوية ضمن التغطية الصحية الشاملة.

أدوية السرطان أمام عامل قد يكبح الأسعار

ورغم التوقعات الضخمة للإنفاق، هناك عامل يمكن أن يخفف جزءًا من الزيادة خلال السنوات المقبلة، وهو انتهاء الحماية الحصرية لعدد من الأدوية المهمة ودخول الأدوية الجنيسة والمثائل الحيوية Biosimilars.

وتتوقع IQVIA أن يبدأ معدل نمو الإنفاق في التباطؤ اعتبارًا من 2027 مع تعرض عدد من العلاجات الأساسية للمنافسة من البدائل الجنيسة والمثائل الحيوية، بما قد يحقق وفورات للمرضى وأنظمة التأمين والحكومات.

ومن المتوقع تحديدًا أن تؤثر المنافسة من المثائل الحيوية لبعض مثبطات PD-1/PD-L1 في معدلات الإنفاق على عدد من أنواع السرطان خلال 2028 و2029.

سوق الدواء يدخل «عصر الأورام»

وبين زيادة الحالات وشيخوخة السكان من جهة، وتسارع الابتكار الدوائي من جهة أخرى، يبدو أن موقع السرطان داخل صناعة الدواء العالمية مرشح لمزيد من التوسع.

وتقدم الأرقام مفارقة واضحة: ارتفاع سوق أدوية السرطان ليس مجرد قصة عن أرباح شركات الدواء، كما أنه ليس مجرد قصة عن ارتفاع الأسعار؛ بل نتيجة لتداخل عبء مرضي عالمي متصاعد مع ثورة علمية تنتج علاجات أكثر تخصصًا وتعقيدًا وتكلفة.

فالإنفاق العالمي على أدوية الأورام ارتفع بالفعل 75% خلال خمس سنوات، وأكثر من ألفي تجربة سريرية جديدة بدأت في عام واحد، وعشرات العلاجات الجديدة تدخل السوق، بينما يتجه العالم نحو نحو 35 مليون حالة سرطان جديدة سنويًا في منتصف القرن.

والتحدي الأكبر خلال العقد المقبل لن يكون فقط هل يستطيع العلم تطوير علاجات أفضل للسرطان؟، بل أيضًا: هل تستطيع الأنظمة الصحية جعل هذه العلاجات متاحة للمرضى دون أن تتحول تكلفتها إلى حاجز يحرم ملايين البشر من ثمار التقدم الطبي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top