إعداد:بوابة مصر الصحية
لا شيء يزلزل قلب الأسرة مثل كلمة: تحرّش. ورغم أن الحوادث قد تبدو فردية أو “استثنائية”، فإن الواقع يقول إن التحرش بالأطفال ليس ظاهرة بعيدة، ولا يحدث فقط في الشوارع أو الأماكن المجهولة، بل قد يحدث داخل الأماكن التي نتصورها الأكثر أمانًا… المدرسة.
الطفل يدخل المدرسة بثقة مطلقة في الكبار، وفي نظام يفترض أن يضمن له بيئة آمنة للتعلّم والنمو. لكن حادثة واحدة في أي مدرسة، حكومية أو دولية تكفي لتكشف هشاشة الحدود، وغياب ثقافة الحماية، وصمت الأطفال، وصدمة الأسر.

لماذا لا يتكلم الطفل؟
الرعب لا يملك صوتًا، والطفل لا يملك لغة.
يخشى الطفل الحديث عن سوء المعاملة لأسباب معقدة أكثر مما نتخيل؛ فهو يخاف من العقاب، أو من لوم أهله، أو من فقدان ثقتهم. وفي كثير من الحالات، يكون المتحرش شخصًا “ذا سلطة” في نظره: مُعلّم، مشرف، أو حتى طفل أكبر منه.
هذا المزيج القاتل يجعل الطفل يعتقد أن السكوت هو الطريق الأكثر أمانًا… بينما هو في الحقيقة الطريق الأكثر ألمًا.
ماذا يقول العلم؟ وكيف نُفسّر الصمت؟
تُظهر دراسات دولية أن أغلب الأطفال الذين يتعرضون للتحرش لا يُفصحون خلال أيام أو أسابيع، بل قد يستغرقون سنوات.
يعزو خبراء الصحة النفسية ذلك إلى شعور الطفل بالخجل، وعدم فهمه لما حدث، وتضارب المشاعر بين الخوف والارتباك.
كما تؤكد تقارير اليونيسف أن نسبة الاعتداءات الجنسية في مؤسسات التعليم عالميًا قد تتجاوز 10% في بعض الدول — وهي نسبة منخفضة فقط لأن غالبية الحالات لا يتم التبليغ عنها.

دور الأسرة يبدأ قبل المدرسة… وليس بعدها
أكبر خطأ ترتكبه الأسرة هو تأجيل الحديث مع الطفل حتى “يكبر”.
الحماية تبدأ مبكرًا، في سنّ صغيرة جدًا، وبأسلوب مبسط يشرح للطفل أن جسده ملك له، وأن هناك مناطق لا يحق لأي شخص لمسها أو رؤيتها، مهما كانت صفته أو قربه.
وإذا حدث ما يزعجه، فعليه أن يخبر الأم أو الأب فورًا دون خوف.
الطفل يحتاج أن يسمع — بشكل واضح — أن الخطأ ليس خطأه. وأنه لن يُلام. وأن الحديث جزء من الأمان.
كيف نحمي أطفالنا فعليًا؟ نموذج “الأمان الجسدي”
القواعد الأساسية لحماية الطفل لا تعتمد على التخويف، بل على المعرفة.
ويُعدّ نموذج “الأمان الجسدي” المعتمد عالميًا هو الأكثر فعالية، إذ يعلّم الطفل:
• أن له حقًا مطلقًا في قول “لا”.
• أن جسده غير مباح لأحد.
• أن أي محاولة للمسّ أو الاقتراب بطريقة غير مريحة يجب أن تُقال فورًا لشخص موثوق.
• أن السرّ الذي يسبب خوفًا يجب ألا يُحتفظ به.
هذه المبادئ تُدرَّس في العديد من الدول بدءًا من سن 3 سنوات، لأنها أثبتت قدرتها على تقليل احتمالات الإساءة وتعزيز ثقة الطفل في نفسه.
المدرسة مسؤولة… والمساءلة جزء من الحماية
لا يكفي أن تعلن المدارس أنها “آمنة”.
الأمان الحقيقي يحتاج سياسات واضحة:
• كاميرات فعّالة.
• مشرفون مدرّبون.
• سجلّات واضحة للعاملين.
• إجراءات فورية للتحقيق والإحالة.
• تدريب للمدرسين على اكتشاف العلامات المبكرة للانتهاك.
كما تحتاج المدارس إلى برامج توعية دورية للطلاب، وممرضة أو أخصائي نفسي قادر على التقاط الإشارات الصامتة قبل أن تتحول إلى كارثة.
البداية من هنا… حماية الطفل مسؤولية دولة بأكملها
التحرش في المدارس ليس مشكلة “مدرسة” أو “أسرة”، بل قضية صحة نفسية واجتماعية تتطلب:
• بيئة تعليمية مؤمنة.
• تشريعات واضحة للحماية.
• تدخلات نفسية عاجلة للضحايا.
• انفتاحًا في الحديث وعدم وصم الأسر.
كل طفل يتعرض للتحرش لا يفقد لحظة… بل يفقد جزءًا من طفولته. وإعادة هذا الجزء تحتاج مجتمعًا كاملًا يعرف أن silence is not safety — الصمت ليس حماية.
الخلاصة
حماية الطفل تبدأ من لحظة الثقة الأولى التي يمنحها لوالديه ومدرسته.
والتوعية ليست رفاهية، بل هي خط الدفاع الأهم، والأقوى، وربما الوحيد أحيانًا.
وإذا كان التحرش جريمة، فإن الصمت عليه جريمة أكبر.
بوابة مصر الصحية ستواصل — كما هو عهدها — فتح الملفات التي يخشاها الآخرون، ونشر المعرفة التي تصنع وعيًا يحمي أطفالنا قبل أن نبدأ في معالجة الجراح.



