كيف يهدد تغيّر المناخ صحة الأجيال القادمة؟

كيف يهدد تغيّر المناخ صحة الأجيال القادمة؟

من تلوث الهواء وسوء التغذية إلى القلق المناخي واضطراب النمو… تقرير يكشف كيف أصبحت أزمة المناخ تهديدًا مباشرًا لحياة الأطفال وصحتهم النفسية والجسدية، ولماذا باتت المواجهة مسؤولية صحية وأخلاقية عاجلة

تقرير: رجاء ناجي

لم تعد أزمة تغيّر المناخ قضية بيئية مؤجلة أو نقاشًا نظريًا يدور في أروقة المؤتمرات الدولية، بل تحولت إلى واقع صحي وإنساني يفرض نفسه بقوة على حياة الأطفال حول العالم. جيل كامل ينشأ اليوم في بيئة مضطربة، تتزايد فيها المخاطر البيئية والصحية بوتيرة غير مسبوقة، في مشهد وصفه خبراء بأنه التهديد الوجودي الأكبر لطفولة القرن الحادي والعشرين.

تحليل حديث صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء سلّط الضوء على التداعيات العميقة لتغير المناخ على حياة الأطفال، مؤكدًا أن الأزمة تجاوزت مرحلة التحذير العلمي إلى مرحلة التأثير المباشر على صحة الصغار، وتعليمهم، ونموهم البدني والنفسي، ومستقبلهم الاجتماعي.

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر رغم أنهم الأقل مسؤولية

تكشف البيانات الدولية حجم التفاوت الصادم في هذه الأزمة، إذ يتحمل الأطفال، رغم مساهمتهم الضئيلة في الانبعاثات الكربونية، نحو 90% من عبء الأمراض المرتبطة بتغير المناخ. ويتنفس ما يقرب من مليار طفل هواءً ملوثًا يتجاوز الحدود الآمنة التي حددتها منظمة الصحة العالمية، فيما يفقد أكثر من نصف مليون طفل دون سن الخامسة حياتهم سنويًا بسبب تلوث الهواء وحده.

ولا تتوقف الخسائر عند هذا الحد، فالعواصف والفيضانات تؤدي إلى انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، بينما يسهم الجفاف وموجات الحر في تقليص الإنتاج الزراعي، وتهديد الأمن الغذائي، ما يترك آثارًا طويلة الأمد على النمو الجسدي والقدرات المعرفية للأطفال، خاصة في المراحل الأولى من العمر.

هشاشة بيولوجية تضاعف الخطر

يوضح التحليل أن الأطفال، بحكم خصائصهم الفسيولوجية، هم الفئة الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة المناخية. فجهازهم المناعي لا يزال في طور النمو، وهم يتنفسون بمعدلات أسرع مقارنة بالبالغين، ما يؤدي إلى استنشاق كميات أكبر من الملوثات قياسًا بأوزانهم، فضلًا عن نفاذية جلدهم الأعلى للمواد السامة. هذه العوامل مجتمعة تجعل قدرتهم على مقاومة الضغوط البيئية أقل بكثير، وتضع نحو 1.2 مليار طفل حول العالم تحت تهديد بيئي مباشر واحد على الأقل، سواء كان تلوث الهواء أو ندرة المياه أو انعدام الأمن الغذائي.

وقد انعكس هذا الواقع بوضوح بحلول عام 2024، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات الأمراض التنفسية والحساسية داخل عيادات طب الأطفال، ما يفرض على الأنظمة الصحية نمطًا جديدًا من التحديات الطبية المرتبطة بالمناخ.

من أزمة بيئية إلى قضية عدالة صحية واجتماعية

تزداد خطورة المشهد حين تتقاطع الهشاشة البيولوجية مع الفقر والحرمان الاجتماعي. فالغالبية العظمى من الأطفال المعرضين للمخاطر المناخية يعيشون في دول منخفضة الدخل، حيث تفتقر الأسر إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية والتغذية والتعليم. هنا تتحول الأزمة المناخية إلى قضية عدالة مناخية صارخة، يتحمل فيها الأطفال الأكثر فقرًا والأقل مسؤولية عن الانبعاثات العبء الأكبر من التبعات الصحية والإنسانية.

ويكشف هذا التناقض عن فجوة عميقة بين الحقوق المكفولة للطفل بموجب الاتفاقيات الدولية، والواقع المعيشي الذي تفرضه الكوارث البيئية، حيث تتحول الطفولة من مرحلة يُفترض أن تُحمى فيها الحقوق، إلى مرحلة تتآكل فيها فرص النمو الآمن والصحي.

أمراض تتوسع وخريطة وبائية تتغير

يرصد التحليل أن تغير المناخ يسهم في تفاقم عدد من المشكلات الصحية لدى الأطفال، أبرزها أمراض الجهاز التنفسي، والاضطرابات المناعية، وسوء التغذية الناتج عن موجات الحر والجفاف، إضافة إلى زيادة معدلات الوفيات ونتائج الحمل السلبية. كما أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى إعادة تشكيل الخريطة الوبائية عالميًا، مع توسع النواقل الحشرية ومسببات الحساسية إلى مناطق كانت تُعد منخفضة المخاطر سابقًا، ما يرفع احتمالات ظهور أوبئة جديدة أو عودة أمراض كانت تحت السيطرة.

الصحة النفسية… الجرح غير المرئي

ولا تقل التأثيرات النفسية خطورة عن الجسدية. فالكوارث المناخية تترك ندوبًا عميقة على الصحة العقلية للأطفال، حيث تتراوح معدلات اضطراب ما بعد الصدمة بين 2% و83%، ومعدلات الاكتئاب بين 2% و66%، تبعًا لشدة الصدمة ووجود الدعم الاجتماعي. وتنعكس هذه الاضطرابات في سلوكيات انسحابية أو عدوانية، فضلًا عن القلق المستمر والخوف من المستقبل.

كما أن التعرض المتكرر للأخبار المناخية، أو فقدان الارتباط بالأرض والبيئة المحلية، يخلق ما يُعرف بـ«القلق المناخي»، وهو حالة نفسية باتت شائعة بين الأطفال والمراهقين، وقد تتطور إلى مشكلات تؤثر على التعليم والعلاقات الاجتماعية إذا لم تحظَ بدعم نفسي متخصص.

الأسرة والتعليم تحت الضغط

تشير الدراسة إلى أن الضغوط الاقتصادية والمناخية تستنزف الأسر نفسيًا، ما يقلل من جودة الرعاية المقدمة للأطفال، ويزيد النزاعات الأسرية. وتظهر الدروس المستفادة من كوارث تاريخية، مثل إعصار كاترينا في الولايات المتحدة، ارتباطًا بين ارتفاع الضغوط النفسية لدى الآباء وزيادة معدلات العقاب البدني للأطفال، ما يفاقم دوائر الخوف والقلق داخل الأسرة.

على الصعيد التعليمي، تؤدي الكوارث الطبيعية إلى تدمير المدارس وتعطيل العملية التعليمية، وهو ما يؤثر سنويًا على نحو 40 مليون طفل حول العالم. كما يفرض انعدام الأمن المائي أعباء إضافية، خاصة على الفتيات، ويؤثر الإجهاد الحراري ونقص المياه والصرف الصحي على قدرة الأطفال على التركيز والتعلم.

الصحة الواحدة… مدخل للحل

يؤكد هذا الواقع أن التعامل مع تغير المناخ من منظور صحي تقليدي لم يعد كافيًا، وأن مفهوم «الصحة الواحدة» بات ضرورة ملحّة، باعتباره إطارًا يربط بين صحة الإنسان، وصحة البيئة، وصحة النظم الاجتماعية والاقتصادية. فحماية صحة الأطفال لا تنفصل عن حماية الهواء والمياه والغذاء، ولا عن بناء نظم صحية مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات المناخية.

الخلاصة بوابة مصر الصحية

تغير المناخ لم يعد تهديدًا مستقبليًا، بل أزمة حاضرة تضرب في عمق صحة الأطفال وحقوقهم الأساسية. والاستثمار في حماية الطفولة من تداعيات المناخ هو استثمار في أمن المجتمعات واستقرارها على المدى الطويل. فحين تُحمى صحة الطفل، يُحمى مستقبل العالم بأكمله، وحين يُهمل هذا الملف، لا تظل الحدود السياسية حاجزًا أمام الأوبئة والمخاطر التي لا تعترف بجغرافيا ولا تفرّق بين دولة وأخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top