اكتشاف علمي يغير مستقبل علاج البهاق

باحثون ينجحون في إعادة تنشيط الخلايا المنتجة للصبغة في تجارب على الفئران والجلد البشري

في تطور علمي قد يمثل نقطة تحول في علاج مرض البهاق، توصل باحثون من جامعة أوساكا اليابانية إلى اكتشاف آلية بيولوجية جديدة تفسر سبب فقدان الجلد للونه، وهو اكتشاف قد يمهد الطريق لتطوير علاجات أكثر فاعلية من الأساليب المستخدمة حاليًا.

الدراسة، التي نُشرت في دورية Nature Communications، تشير إلى أن الخلايا المسؤولة عن إنتاج صبغة الميلانين لا تختفي كما كان يُعتقد سابقًا، وإنما تدخل في حالة من “الخمول الوظيفي”، ما يعني أنها تفقد قدرتها على إنتاج الصبغة دون أن تموت أو تزول من الجلد.

اقرأ ايضًا: بشرى لمرضى البهاق.. أول كريم موضعي يعيد صبغ الجلد

ما هو البهاق؟

يعد البهاق أحد أمراض المناعة الذاتية المزمنة، حيث يهاجم الجهاز المناعي الخلايا المنتجة للميلانين، وهي الصبغة المسؤولة عن لون الجلد والشعر والعينين، مما يؤدي إلى ظهور بقع بيضاء متفاوتة الحجم في مناطق مختلفة من الجسم.

ورغم أن المرض لا يشكل خطرًا مباشرًا على الحياة، فإنه قد يترك آثارًا نفسية واجتماعية كبيرة لدى المرضى، خاصة عندما يصيب الوجه أو المناطق الظاهرة من الجسم.

ماذا اكتشف الباحثون؟

أوضحت الدراسة أن الخلايا الصبغية الموجودة داخل البقع البيضاء لا تختفي بالكامل، بل تعود إلى مرحلة أقل نضجًا، فتفقد وظائفها الأساسية، وعلى رأسها إنتاج الميلانين.

وقالت الدكتورة لينغ لي يانغ، الباحثة الرئيسية بالدراسة من جامعة أوساكا، إن هذا الاكتشاف يكشف عن آلية جديدة لتطور البهاق، وقد يغير الطريقة التي يتعامل بها الأطباء مع المرض مستقبلًا.

وأضافت أن النتائج تشير إلى إمكانية إعادة تنشيط هذه الخلايا بدلاً من التركيز فقط على وقف الهجوم المناعي عليها.

دور البروتينات في فقدان لون الجلد

ركزت الدراسة على البيئة الدقيقة المحيطة بالخلايا الصبغية، حيث تعتمد هذه الخلايا على غشاء رقيق يعرف بـ”الغشاء القاعدي” للحصول على الإشارات التي تساعدها على البقاء وأداء وظائفها الطبيعية.

وفي الجلد السليم، ترتبط الخلايا ببروتين يسمى Laminin-211، لكن الباحثين وجدوا أن جلد مرضى البهاق يحتوي على مستويات مرتفعة من بروتين آخر هو Laminin-332.

ويؤدي هذا التغير إلى اضطراب ارتباط الخلايا بالغشاء القاعدي، ما يحفز سلسلة من التفاعلات البيولوجية تجعل الخلايا تدخل في حالة من الخمول وتتوقف عن إنتاج الميلانين.

نتائج واعدة في التجارب

أجرى الفريق البحثي تجارب على فئران معملية، بالإضافة إلى عينات من الجلد البشري، واستخدم أدوية تستهدف المسارات البيولوجية المسؤولة عن دخول الخلايا في هذه الحالة.

وأظهرت النتائج نجاح الباحثين في إعادة تنشيط الخلايا الصبغية، واستعادة نشاط الجينات المسؤولة عن إنتاج الميلانين، وهو ما أدى إلى استرجاع العديد من خصائص الخلايا الطبيعية التي كانت قد فقدتها.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوة أولى نحو تطوير علاجات تعمل على إعادة تشغيل الخلايا بدلاً من الاكتفاء بتقليل نشاط الجهاز المناعي.

كيف تختلف هذه الطريقة عن العلاجات الحالية؟

تعتمد معظم العلاجات المتوافرة حاليًا على تثبيط نشاط الجهاز المناعي أو تقليل الالتهاب باستخدام الكورتيزون، أو مثبطات المناعة، أو العلاج بالأشعة فوق البنفسجية، بهدف الحد من تطور المرض وتحفيز عودة التصبغ.

لكن الدراسة اليابانية تقترح نهجًا مختلفًا، يقوم على إصلاح الخلل داخل الخلايا نفسها وإعادة قدرتها الطبيعية على إنتاج الميلانين.

وقال البروفيسور إيتشيرو كاتاياما، أحد المشاركين في الدراسة، إن هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة تعتمد على إعادة تنشيط الخلايا الصبغية أو استعادة ارتباطها الطبيعي بالغشاء القاعدي، وهو ما قد يوفر خيارات أكثر فاعلية في المستقبل.

هل أصبح العلاج الجديد متاحًا؟

رغم النتائج المشجعة، يؤكد الباحثون أن هذه التجارب ما تزال في مراحلها قبل السريرية، إذ اقتصرت على الفئران وعينات الجلد البشري داخل المختبر، ولم تبدأ بعد التجارب الإكلينيكية على المرضى.

ولذلك، فإن الأمر يحتاج إلى المزيد من الدراسات للتأكد من سلامة هذه الاستراتيجية وفعاليتها قبل اعتمادها كعلاج متاح في الممارسة الطبية.

أمل جديد لمرضى البهاق

يمثل هذا الاكتشاف أحد أهم التطورات الحديثة في فهم آلية الإصابة بالبهاق، لأنه ينقل التركيز من فكرة “اختفاء الخلايا” إلى إمكانية “إيقاظها” وإعادتها للعمل من جديد.

وإذا أثبتت الدراسات السريرية المقبلة نجاح هذه الفكرة، فقد يشهد مرضى البهاق خلال السنوات المقبلة ظهور جيل جديد من العلاجات التي تستهدف السبب البيولوجي للمرض، وليس فقط السيطرة على أعراضه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top