لم يعد ملف تصنيع الأجهزة والأطراف التعويضية مجرد قطاع طبي متخصص، بل تحوّل إلى مشروع قومي ذي أبعاد إنسانية وتنموية عميقة، يعكس رؤية الدولة المصرية في تمكين الإنسان، وتوطين الصناعات الحيوية، وبناء منظومة صحية مستدامة قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وفق أعلى المعايير العالمية.
وفي هذا الإطار، صرّح الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، أن ملف تصنيع الأجهزة والأطراف التعويضية يمثل مشروعًا قوميًّا إنسانيًّا رفيع المستوى، يستهدف خدمة أعداد كبيرة من المصريين، ويؤسس لصناعة وطنية حديثة ومتطورة، تجعل من مصر مركزًا إقليميًا لصناعة الأطراف التعويضية وأجهزة التأهيل وفق أحدث النظم العالمية.
وأكد تاج الدين أن المشروع يقوم على إنشاء مصنع كبير للأجهزة والأطراف التعويضية، إلى جانب مراكز متخصصة للتصنيع والتركيب والمتابعة والصيانة، بما يضمن تقديم حلول متكاملة تلبي احتياجات مختلف الحالات، سواء كانت الإعاقات خلقية، أو ناتجة عن أمراض مزمنة، أو حوادث وإصابات.

وأوضح أن المرحلة الأولى من المشروع تتضمن إنشاء سبعة مراكز للتجميع والمواءمة موزعة جغرافيًا على مستوى الجمهورية، بهدف تخفيف العبء عن المرضى، وتقليل مشقة الانتقال، مع تقديم خدمات التقييم الدقيق، والتركيب، والمتابعة المستمرة، والتدريب على الاستخدام الصحيح للأجهزة، بما يضمن رعاية شاملة ومستدامة لمستخدمي الأطراف التعويضية في مختلف المحافظات.
توطين الصناعة… توجيه رئاسي واستثمار في الإنسان
ويأتي هذا المشروع في إطار توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي المتكررة بضرورة توطين الصناعات الطبية الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وبناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على تلبية الاحتياجات المحلية والتوسع إقليميًا. وقد شدد الرئيس في أكثر من مناسبة على أن توطين صناعة الأطراف التعويضية ليس فقط هدفًا اقتصاديًا، بل التزامًا إنسانيًا يعكس حق كل مواطن في العلاج والحياة الكريمة، ويؤكد أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان وقدرته على الإنتاج والمشاركة المجتمعية.
وتشير التقديرات إلى أن آلاف المرضى في مصر كانوا يواجهون تحديات كبيرة في الحصول على أطراف تعويضية مناسبة، سواء بسبب ارتفاع التكلفة، أو محدودية المراكز المتخصصة، أو الاعتماد على منتجات مستوردة، وهو ما تسعى الدولة إلى تغييره جذريًا عبر هذا المشروع المتكامل.
الأطراف التعويضية… حياة جديدة وليست مجرد جهاز
من منظور طبي وإنساني، تمثل الأطراف التعويضية أكثر من مجرد أجهزة تساعد على الحركة، إذ تُعد وسيلة لإعادة بناء حياة الإنسان، وتمكينه من استعادة استقلاله، والعودة إلى العمل، وتحسين حالته النفسية، والاندماج مجددًا في المجتمع، وتقليل الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة على فقدان الأطراف.
وتؤكد دراسات دولية أن توفير طرف تعويضي ملائم، مدعوم ببرامج تأهيل وتدريب مستمرة، يرفع من جودة الحياة بشكل ملحوظ، ويزيد من فرص الاعتماد على الذات، ويقلل الأعباء الصحية والاجتماعية طويلة المدى.

نحو منظومة صناعية مستدامة
وأشار الدكتور محمد عوض تاج الدين إلى أن المشروع لا يقتصر على التصنيع فقط، بل يستهدف بناء منظومة متكاملة تشمل البحث والتطوير، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر الفنية والطبية، والمتابعة طويلة الأمد، بما يضمن استدامة الجودة ومواكبة التطور العالمي في هذا المجال الحيوي.
وفي المحصلة، يمثل مشروع توطين صناعة الأجهزة والأطراف التعويضية نموذجًا واضحًا لرؤية الدولة المصرية في الجمع بين البعد الإنساني والتنمية الصناعية، ويعكس التزامًا حقيقيًا بإعادة الأمل والحياة لملايين المواطنين، وبناء مستقبل صحي أكثر عدالة واستقلالًا.



