نقص حاد في الأدوية والغذاء والخدمات الطبية.. وتمويل الاستجابة الإنسانية لمنظمة الصحة العالمية لا يتجاوز 23% من الاحتياجات المطلوبة
حذرت منظمة الصحة العالمية من تفاقم الأزمة الصحية والإنسانية في إقليم دارفور غربي السودان، مؤكدة أن حجم الاحتياجات الطبية والإنسانية يتجاوز بكثير الموارد المتاحة، في ظل استمرار النزاع والنزوح الجماعي ونقص الأدوية والخدمات الصحية الأساسية، ما يعرض ملايين السكان لمخاطر متزايدة.
وكشفت المنظمة، أن أكثر من 700 ألف نازح في منطقة طويلة بدارفور يواجهون نقصًا حادًا في الرعاية الصحية والتغذية والغذاء والمياه وخدمات الصرف الصحي والحماية، داعية إلى زيادة عاجلة في التمويل وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومستدامة ودون عوائق.
اقرأ ايضًا: الصحة العالمية: نصف المحتاجين للمساعدات الإنسانية يعيشون في شرق المتوسط
65% من نازحي السودان في دارفور
وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن الأوضاع في منطقة طويلة تعكس حجم الأزمة التي يشهدها إقليم دارفور بأكمله، حيث تتفاقم الاحتياجات الإنسانية نتيجة استمرار انعدام الأمن والنزوح واسع النطاق وتراجع إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، إلى جانب تكرار تفشي الأمراض المعدية.
ووفقًا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة التي استند إليها بيان الصحة العالمية، يستضيف إقليم دارفور نحو 65% من إجمالي النازحين داخليًا في السودان، البالغ عددهم 8.6 مليون شخص، ما يضع ضغوطًا هائلة على المرافق الصحية والخدمات الإنسانية المحدودة.
وأشارت المنظمة إلى أن 39 شريكًا من شركاء مجموعة الصحة يواصلون تقديم الخدمات الطبية الأساسية في مختلف أنحاء دارفور، رغم التحديات الأمنية واللوجستية ونقص التمويل والإمدادات الطبية.
وأكدت أن هذه الجهود لا تزال غير كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة، إذ تعاني مناطق عديدة من نقص الرعاية الصحية المنقذة للحياة، بينما يعمل الأطباء وأطقم التمريض في ظروف شديدة الصعوبة، وسط عجز في الأدوية والمستلزمات الطبية والبنية التحتية والكوادر الصحية.
جولة ميدانية تكشف حجم الأزمة
وجاء التحذير عقب مهمة ميدانية استمرت عشرة أيام، أجراها الدكتور عبد الناصر أبو بكر، ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، خلال الفترة من 14 إلى 24 سبتمبر الماضي، وشملت ولايات دارفور باستثناء شرق دارفور.
وتفقد ممثل المنظمة عددًا من المستشفيات الرئيسية ومراكز الرعاية الصحية الأولية ووحدات غسيل الكلى والمختبرات الطبية، إلى جانب مشروعات صحية تدعمها المنظمة، من بينها مشروع المساعدة الصحية والاستجابة للطوارئ في السودان (SHARE)، الممول من البنك الدولي، في مستشفيات نيالا والجنينة.
كما التقى العاملين في القطاع الصحي والقيادات المجتمعية ومجموعات من النازحين، للوقوف على التحديات التي تواجه تقديم الخدمات الطبية وتحديد الاحتياجات العاجلة للسكان.
وقال الدكتور عبد الناصر أبو بكر إنه شاهد بنفسه الحجم الهائل للاحتياجات الصحية والإنسانية في طويلة ومناطق أخرى من دارفور، مشيدًا بجهود الفرق الطبية والشركاء الذين يواصلون تقديم الرعاية رغم انعدام الأمن وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة ونقص التمويل والإمدادات.
وشدد على ضرورة توفير الموارد والأدوات والدعم اللازم للعاملين في الخطوط الأمامية، حتى يتمكنوا من الاستجابة للاحتياجات الصحية المتزايدة.
سوء التغذية يتفاقم ومخاوف من أزمة غذائية أشد
وحذرت منظمة الصحة العالمية من ارتفاع معدلات سوء التغذية بين السكان، مؤكدة أن هذه المشكلة كانت من أبرز المخاوف التي رصدتها خلال الزيارات الميدانية للمرافق الصحية.
وأوضحت أن الأوضاع قد تتدهور بصورة أكبر خلال الفترة المقبلة، نتيجة ضعف هطول الأمطار وفشل المحاصيل الزراعية والتأثيرات المتوقعة لظاهرة «النينيو» المناخية، ما قد يؤدي إلى زيادة انعدام الأمن الغذائي وتفاقم معاناة المجتمعات الأكثر ضعفًا.
كما كشفت المنظمة عن محدودية شديدة في خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، بالتزامن مع نقص الأدوية المستخدمة في علاج الاضطرابات النفسية، الأمر الذي يحرم أعدادًا كبيرة من المتضررين من الرعاية اللازمة.
نقص خطير في الأدوية المنقذة للحياة
وأعربت المنظمة عن قلقها من الانخفاض الخطير في مخزونات الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية والسل وأمراض المناطق المدارية المهملة، إلى جانب مستلزمات التدخلات الطبية الأخرى المنقذة للحياة.
وأكدت أن استمرار هذا النقص قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الصحية، خاصة بين الفئات الأكثر عرضة للخطر، ما يستدعي توفير إمدادات عاجلة لضمان استمرار الخدمات العلاجية الأساسية.
وأشارت إلى أن فرقها الفنية تعمل بالتنسيق مع السلطات الصحية والشركاء المحليين والدوليين لتعزيز الاستجابة الطبية في مختلف أنحاء السودان، بما يشمل دعم المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية والمختبرات وأنظمة ترصد الأمراض.
فجوة تمويلية تهدد الاستجابة الإنسانية
وكشفت منظمة الصحة العالمية أن التمويل المتاح لندائها الإنساني الخاص بالسودان لعام 2026 لا يتجاوز 23% من إجمالي المبلغ المطلوب، والبالغ 97.7 مليون دولار أمريكي، ما يعكس فجوة تمويلية كبيرة تعوق توسيع الخدمات الصحية والوصول إلى السكان الأكثر احتياجًا.
وأوضحت أن محدودية الموارد تؤثر على قدرتها على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر وترصد الأمراض، ودعم المختبرات المرجعية للكشف السريع عن الأوبئة، فضلًا عن تقديم المساندة الفنية للشركاء الصحيين.
وأكدت استعدادها لتوسيع عملياتها في دارفور وكردفان والمناطق الأخرى المتضررة من النزاع، شريطة توفير التمويل اللازم وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
الصحة العالمية تطالب بتحرك دولي عاجل
ودعت منظمة الصحة العالمية الجهات المانحة والشركاء الدوليين وجميع الأطراف المعنية إلى زيادة الدعم المالي والإنساني بصورة عاجلة ومستدامة، محذرة من أن استمرار الفجوة بين الاحتياجات الصحية والموارد المتاحة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة في دارفور ومناطق أخرى من السودان.
وشددت على أن توفير التمويل وحده لا يكفي، بل يجب أن يتزامن مع ضمان وصول آمن ومستمر ودون عوائق للفرق الطبية والإمدادات الإنسانية، حتى تتمكن من الوصول إلى السكان المحاصرين بالأزمات وتقديم الخدمات المنقذة للحياة في الوقت المناسب.
وأكدت المنظمة أن حجم الكارثة الإنسانية في دارفور والسودان عمومًا يستدعي استجابة دولية أوسع، لضمان استمرار الرعاية الصحية الأساسية وحماية الفئات الأكثر ضعفًا من التداعيات الصحية للنزاع والنزوح وسوء التغذية.



